كتاب > روايات ومقالات

آلامُ فيرتر: عندما يؤدي صدق المشاعر إلى الخلود

استمع على ساوندكلاود 🎧

"آلامُ فيرتر" هي روايةٌ عظيمةٌ للروائيِّ والكاتبِ الألماني المعروفِ "يوهان جوته"، وتُروَى لنا على شكلِ رسائلَ تكشفُ كثيراً عن طبيعةِ الحياةِ التي عاشها الكاتب، وعن رقةِ قلبهِ وقوةِ إخلاصهِ وشدَّةِ حبّهِ التي أشعلت حياتَهُ وكتاباتهُ الروائيةَ والشعرية‏، وجعلت منهُ في النهايةِ أعظمَ الكتَّابِ الرومانسيين الألمان في القرنَين الثامنِ عشر والتاسعِ عشر‏،‏ وكذلك جعلتْهُ أعظمَهم تأثيراً في الأدبِ الأورُبّي والعالمي على مدارِ القرنِ العشرين‏.

 

لا يتجاوزُ أبطالُ القصةِ الرّئيسينَ ثلاثةََ أشخاصٍ: فيرتر، شارلوت، وألبير، وهم الحبيبُ، والحبيبةُ، والزوج على التوالي.

 

والشخصيةُ الأولى هي "فيرتر" المرهَفُ الإحساسِ، والسريعُ الانفعالِ الذي أطلقَ العنانَ لقلبهِ، وتحرّرَ من قيودِ العقلِ، بالإضافةِ إلى أنّهُ مزجَ روحَهُ بالطبيعةِ فأخذَ منها كثيراً؛ ممَّا ظهرَ جلّياً في كتاباتهِ.

 

ولقد وصفَ فيرتر نفسَهُ قائلاً‏:‏ "ألا إنَّ العلمَ الذي أعرفهُ‏‏ يستطيعُ كلٌّ أن يجمعَهُ ويحصلَّهُ‏، ولكنَ القلبَ الذي أحمله‏ُ لا يتسنَّى لغيري أن يحملَه"

 

أمّا "شارلوت" المربيّةُ الحنونةُ على إخوتها الصغار بعدَ وفاةِ والدتها، فهي حادّةُ الذكاءِ، وفارعةُ القوامِ، ومشرقةُ الوجهِ، وجميلةُ الروحِ، ويتنازعُها الصراعُ بينَ إخلاصها لزوجها مع ذلك الرابطُ المقدّسُ بينهما الذي لا فكاكَ منهُ من جهةٍ، وقلبِها المُستَعِرِ حبّاً لرجلٍ دخلَ قلبها وسكنَ عقلها من جهةٍ أخرى.

 

والشخصيةُالأخيرةُ هي "ألبير" الموظفُ ذو الأخلاقِ الفاضلةِ والصفاتِ الكريمةِ، وعلى النَّقيضِ مِن "فيرتر" فهو هادئُ المشاعرِ، ويمجّدُ العقلَ، ويتميزُ بسلامةِ منطقهِ ورجاحةِ حكمتهِ، وكلُّ ما يبتغيه هو العملُ بجدٍّ لإسعادِ زوجتهِ.

 

وبينما كانَ فيرتر في قريةٍ ريفيةٍ وقعَ في حُبِّ "شارلوت" ذاتِ الوجهِ الساحرِ والمتوهجِ بالفتنةِ والذكاء، وعندما التقيا وجدا أنَّ نفسَيهما تآلفتا مُذ تعارَفتا، ولكنَّها كانت مخطوبةً إلى موظفِ الحكومةِ "ألبير"، ولمَّا رأى استحالةََ الحصولِ عليها قرَّرَ أن تكونَ علاقتُهُ بها نقيةً طاهرةً؛ فَصادَقَ "ألبير" وأصبحَ صديقَ العائلةِ، ولكن ما إن عُقِدُ قرانُ "شارلوت" على "ألبير" حتَّى بدأت النارُ بالاضطرامِ في قلبهِ؛ فتارةً يرضى وتارةً يسخطُ، وأحياناً يُذعِنُ وأُخرى يثورُ.

 

وهكذا تتناولُ الروايةُ معاناةَ العاشقِ "فيرتر" ولواعِجَ شوقه بأسلوبٍ أدبيً شائقٍ، وعباراتٍ تؤثرُ في النفسِ أشدَّ التأثيرِ، إلى أن تصلَ للفصلِ الأخيرِ الذي سأتركهُ لك.

 

ما يزيدُ القصةَ إبهاراً أنّها ليست قصةً مُنتَحَلةً، بل هي قصةٌ حقيقيةٌ فعلاً، و"شارلوت" هو اسمُ الفتاةِ التي هامَ بها "جوته" عندما كانَ في "وتسلار" يتدربُ على المحاماةِ، ولكنها كانتَ مخطوبةً لفتىً يقالُ لهُ "كستنر"، ولكنَّ الكتابَ يخالفُ الواقعَ في النهايةِ فحسب؛ تلك التي لم يُقدِم عليها "جوته" في الحقيقة.

 

لم أَجِد أفضلَ ممّا قالهُ طه حسين عن هذا الكتابِ واصفاً سببَ خلودهِ:

 

"تلكَ خصلةٌ تمتازُ بها الكتبُ التي أُنشِئَت لتبقى أبدَ الدهر، وقضى أن يكونَ الخلودُ لها نصيباً. تُخَلَدُ لأنها لا تصفُ الأشخاصَ التي تفنى وتزولُ، وإنما تصفُ النوعَ الذي يبقى ويدوم.

 

وخصلةٌ أخرى قضت لهذا الكتابِ بالبقاءِ والخلود هي أنّهُ لم يقف عندَ تمثيلِ الحياةِ النفسيّةِ للشبابِ في طورٍ من أطوارها، وإنما وضعَ للإنسانيةِ مثالاً من الفضيلةِ تشعرُ كلُّ نفسٍ بالميلِ إليهِ، وتودُّ لو بلغَتهُ أو دنت منهُ"

 

أمّا ردّهُ على نقدِ الكثيرين للكتابِ لكونِهُ دفعَ كثيراً منَ الشبّانِ للانتحارِ؛ فقد قال: "يُخيَّلُ إليّ أنَّ هؤلاءِ لم يوفَّقوا إلى القصدِ و لم يهتدوا سواءَ السبيلِ...، فإنما أساءَ بعضُ الشبّانِ ذوي النفوسِ المريضةِ فهمَهُ والاستفادةَ منهُ لأنَّ ظروفَ الحياةِ الإجتماعيةِ كانت من الشدَّةِ والضيقِ في أورُبَّا بحيثُ تجعلُ نفوسَ كثيرٍ من الناسِ ضعيفةً رخوةً و خانعةً مستسلمةً لا تستطيعُ مقاومةً ولا احتمالاً".

 

ومع الأسفِ فقد وقعت في يدي نُسخة مُترجَمَةٌ لهذه الرواية لغيرِ "أحمد الزيات" في قراءتي الأولى لها، وقد صدمَتني حقّاً؛ إذ شوَّهتِ الروايةَ، وانتقصَتْ منهُ، لذلكَ لابُدّ من أن أنوّهَ إلى المترجمِ الكبيرِ "أحمد حسن الزيات" الذي لم يستطِع نقلَ معنى الألفاظِ التي خطّها جوته فحسبُ، بل ونقلَ إلينا نفسَهُ بما فيها من ضروبِ الإحساسِ والشعور.

 

روايةٌ يُنصَحُ بها لأصحابِ المشاعرِ الرقيقةِ والقلوبِ المرهفة..

 

اسم الكتاب: آلام فيرتر

 

الكاتب: يوهان جوته

 

ترجمة: أحمد حسن الزيات

 

عدد الصفحات: 197

 

تاريخ الصدور لأول مرة: 1774