الرياضيات > الرياضيات

الرّياضيّات خلف سحر أفلام بيكسار

استمع على ساوندكلاود 🎧

عندما أتذكرُ حصةَ الرياضياتِ في الثانوية، أتذكر كلامي بصوتٍ عالٍ في الصف دون أيِّ خجلٍ، "لِمَ عليَّ حضور حصص الرّياضيات؟!"

كنتُ متأكداً حينها أنني لن أَتخصَّصَ في أيِّ مجاٍل يتطلبُ معرفةً رياضيةً، لذلك كانَ واضحاً بالنسبة لي لماذا كانت دراسة الرياضيات مضيعةً للوقت والجهد العقلي، بدا لي حينها أنّ الرياضيات مخصصةٌ للمحاسبين أو الأشخاصِ الذينَ يعملونَ في المختبر، أما المهن التي تتطلّبُ أيَّ نوٍع من الحسابِ، فلم تكن مغريةً بالنسبةِ لي.

بدا لي ما اعتقدتهُ صحيحاً؛ حتى الشهرِ السابقِ، عندما وجدتُ نفسي في متحف "العلم وراء بيكسار"، في مركزِ كاليفورنيا للعلم. وبعدَ عشرينَ سنةٍ من حياتي الخالية من الرياضيات، أُثبتَ خطئي الكامل، واكتشفتُ بعدها أَنهُ دونَ العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (أو أقسام STEM كما هو مُعرَّف عنها أكاديمياً) لن يكون هناك أيُّ أفلامِ رسومٍ متحركة عن طريق الحاسوب، ولا شخصياتِ رسومٍ متحرِّكة في الحاسوب، وبالتالي لا دُورُ سينما مزروعةٌ في ذكريات الطفولة، وفجأةً خطر لي "هذا سببٌ مقنع لتعلم الرياضيات!".

لنبدأ بـ "وودي وباز" الشخصيتين اللتينِ بدأتا موجة بيكسار بأكملها من أفلامِ "قصة لعبة toy story" المحبوبة، وهما يتحركان بكل خفة ويقفزانِ في جميع الأرجاءِ حولَ الشاشة، أو هكذا يبدو لنا.

في الحقيقةِ هناكَ الكثيرُ من المجهودِ خلفَ تلك الحركاتِ، إذ تحتاجُ كلُّ واحدةٍ من تلك القفزاتِ والخطواتِ، إلى عمليةٍ رياضيةٍ تدعى "splining" أي تشكيل المنحنيات.

وهو تابع لديه قيمة محددة عند رقم محدد من النقاط ويتكون من أجزاء التابع متعدد الوظائف والذي ينضم بسهولة لهذه النقاط، ويُستخدم للتقريب واستيفاء التوابع.

والتي تُستخدم لربط كل تلك القفزات سوياً.

إذ يقوم اختصاصيو الحركة أو المحركون برسمِ الحركات الرئيسية للشخصيتين، ومن ثم تُترجم إلى جدولٍ من البياناتِ والتي يقومُ الحاسوبُ بِعَدِّها بحساب اللقطاتِ بين الحركتين.

وبالتأكيد فإنَ مُخرج الفيلم مسؤولٌ عن جميع هذه اللقطات، ولكنْ فكُلُّ لقطةٍ مسؤولةٌ عن كيفية ظهور الحركة.

على سبيلِ المثال: هناكَ مشهدٌ في فيلم "المذهلون the incredibles" يحاول فيه السيد مذهل رفعَ قطار. وكي يظهر القطار ثقيلاً، على حركة السيد مذهل أن تكون بطيئةً وكأنهُ يحاولُ بذلَ جهدٍ، لذلك في هذه الحالةِ، قاموا بحساب تابع تشكيل المنحنيات تبعاً لذلك ورسموا النقاط أبعد عن بعضها على الرسم البياني. فإذا تم رسمها قريبةً من بعضها سيبدو وزن القطار خفيفاً جداً، مما يقلل من مصداقية المشهد (تقريباً كمصداقيةِ رفع رجل لقطار ما).

ومن المثيرِ للدهشةِ أَن استخدامَ الضوءِ يتطلبُ الكثيرَ من الحسابِ أيضاً، ففي فلم FINDING NEMO كانَ على المحركين خلقُ بيئةً تحتَ الماءِ لأولِ مرةٍ. وليس خلقَها فحسب، بل وجعلَها قابلةً للتصديق كلياً. وللبحث عن هذا، قامَ فريقٌ منَ المحركين بتدريباتِ غطسٍ في كاليفورنيا وهاواي وأستراليا ليشعروا بالبحر، وبهذا كانوا قادرينَ على تحليلِ الضوءِ عندما ينعكسُ على سطوحٍ مختلفةٍ وكيفَ ترتفعُ وتنتفخُ الجسيماتُ المختلفةُ وفقاً لعمقِ المياِه وظلمتهِ.

ومن دونِ كلِّ ذلك الضوء المعبَّرِ عنهُ بمعادلات رياضية، لبَدَى نيمو وأصدقاؤه يسبحونَ في الهواء وحسب.

وفي فيلم "سيارات CARS"، كان على المحرِّكِين التعاملُ مع الضوءِ أيضاً، لكنْ ليس تحتَ الماء كما فعلوا في "إيجاد نيمو"، بل هذه المرة على سطح السياراتِ نفسها. وباستخدام حسابٍ يُدعى bidirectional reflectance distribution functions أي تابع توزيع الانعكاس ثنائي الاتجاه، استطاع المحرِّكون إيحادَ لونِ السطحِ نفسهِ. وبعبارات أبسط، يقومُ هذا الحسابُ بوصفِ انعكاس الضوء على سطح عاتم؛ ولهذا يُستخدم من قبل المحركين، لصناعة لونٍ يحاكي الألوان المعكوسة على الأسطحِ في الحياة الحقيقية، مثل الزجاجِ والجلد الإنساني وغيرها.

تُطبق عملية لـ BRDF على جميع الأسطح، ولهذا تبدو السيارةُ القديمةُ مختلفةً عن السياراتِ الحديثةِ في مثالنا هنا في فيلم "سيارات CARS"، فالفضل بذلكَ كله يعودُ إلى الضوء.

ثم هناكَ "المحاكاة simulation" التي كانت العاملَ الذي أَضافَ المثاليةَ لتجعيداتِ شعرِ الأميرةِ "ميردا" أحمرِ اللون، وفي فيلم BRAVE و"التقسيم subdivision" وهي العملية التي تقوم بتنعيمِ السطوحِ، والتي استُخدمت أيضاً لأيدي وودي الشبيهة بيد الإنسانِ في فيلم TOY STORY وبذلك لم تظهر خَشِنةً أو ملتوية.

صورة (إضافية وليست من المقال):

هنا

والمفاجأة الكبرى كانت "علم المثلثات" الذي استُخدم لحركات فَمِ "سولي" في MONSTER INC عن طريق عمليةٍ تُدعى RIGGING.

بعد هذه الجرعة الرياضية في عالم الأفلام، ستدرك أن تركيزكَ في حصةِ الرياضياتِ ربما يجعلك أَحد صناعِ السحرِ في استديوهات بيكسار، أو ستكونينَ مثل العبقريات في فيلم HIDDEN FINGERS الذي يتحدث حول ثلاث نساء كان لهن الدور الفعّال في إجراءِ الحسابات الحسّاسة للبعثاتِ الفضائيّةِ المداريّةِ الأولى لوكالة ناسا.

أعتقد بأن هذا سيسعد أستاذكم لمادة الرياضيات.

 

المصدر: 

1- هنا

2- هنا