الطبيعة والعلوم البيئية > علم البيئة

لِمَ تمتلكُ النّباتاتُ الاستوائيّةُ أوراقاً أكبرَ من أوراقِ نباتاتِنا؟؟

استمع على ساوندكلاود 🎧

لاحظَ علماءُ النّباتِ ظاهرةَ اختلافِ حجوم أوراقِ النّباتات بالنّسبةِ إلى خطوط العرض أوّلَ مرةٍ في القرنِ التّاسعَ عشر، ولكن لم يتمكن أحدٌ من تفسيرها تفسيراً مقنعاً، إذ تنتشر النّباتاتُ ذاتُ الأوراقِ الكبيرةِ مثل الموزِ والنّخيل بكثرةٍ في المناطق الاستوائيّة، بينما توجد النّباتاتُ ذاتُ الأوراقِ الصّغيرة مثل الخلنج والبرسيم في مناطقَ أقربَ للقطبين، وتتباينُ أحجامُ هذهِ الأوراقِ تبايناً كبيراً فتتراوحُ مساحتها من أقلَّ من 1 ميليمتر مربع لتصلَ حتى 1 متر مربع تقريباً.

 

ومنَ الأفكارِ الّتي طُرحَت في هذا السّياقِ أنّ حجمَ الورقةِ الكبيرِ مهمٌّ لمنعِ ارتفاعِ درجة حرارتها، ولكنّ الأوراقَ الكبيرةَ الحجمِ تمتصُّ حرارةَ الشّمسِ على نحوٍ أكبر، ومن ثمَّ فهي تسخنُ أكثرَ من الأوراقِ الصّغيرةِ الحجم، مما يشير إلى أنّها ينبغي أن توجدَ في المناطقِ الباردةِ بدلاً من المناطقِ الاستوائيّة.

 

وفي محاولةٍ لحلِّ هذا اللّغزِ، قام فريقٌ من الباحثين بدراسة أوراقِ 7670 نوعاً نباتيّاً موزّعةً على خطوطِ عرضٍ مختلفة، وبحثَوا العلاقةَ بين حجم الورقةِ من جهة وعناصرِ المناخ المختلفةِ من جهةٍ أخرى، بما في ذلك درجاتُ الحرارةِ في اللّيلِ والنّهارِ والهطولِ المطريّ ودرجة الرّطوبة.

 

وجد الباحثون أنّ تفاديَ الصّقيعِ اللّيليِّ بالنّسبةِ إلى النّباتات أمرٌ في غايةِ الأهميّة كما هو الحالُ بالنّسبةِ إلى تفادي الإجهادِ الحراريِّ في النّهار، ويعودُ التّفسيرُ إلى أنّ هذا التّوازنَ قائمٌ على عاملينِ رئيسَين؛ أوّلُهما مقدارُ الماءِ المتوفّر للورقة لتبريدِ نفسها عبر عمليّة النّتح (وهي عمليةٌ مماثلةٌ للتّعرّقِ عند البشر)، وثانيهما الطّبقة الحديّة، وهي طبقةُ من الهواء السّاكنِ يحيطُ بكل ورقةٍ ويعملُ بمثابةِ عازلٍ لها.

 

أي إنّ الأوراقَ الكبيرةَ لها طبقاتٌ حديّةٌ أكثرَ سماكة، ممّا يجعلها أكثرَ حساسيّةً لضررِ درجاتِ الحرارة المتطرّفة، إذ يجعلُ هذا العزلُ الإضافيّ امتصاصَ الورقةِ للحرارة من الهواءِ المحيطِ بها أمراً شديدَ الصّعوبة ليلاً، وبالتّالي صعوبةَ المحافظةِ على دفءِ الورقةِ؛ وزيادةَ خطرِ تعرّضِها للصّقيع، وهو ما يفسّرُ عدمَ انتشارِ النّباتات ذات الأوراق الكبيرة في المناطقِ القريبةِ من القطبَين، وكذلك فهي غيرُ منتشرةٍ في المناخاتِ شبه الصّحراويةِ الحارّةِ أيضاً، فطبقاتُها الحديّةُ السّميكة تجعلها تسخنُ سخونةً مرتفعةً لا رجوعَ عنها خلالَ النّهار، بينما تكون مناسبةً للمناخاتِ الاستوائيّةِ الحارّةِ الرّطبة، فهي تتصدّى لتأثيرِ احتجازِ الحرارةِ أثناءَ النّهارِ عن طريقِ عمليّة النّتح، وهو أمرٌ لا تستطيعُ النّباتاتُ الصّحراويةُ القيامَ به؛ لعدمِ قدرتها على تحمل خسارةٍ كبيرةٍ للمياه دون تعويضها.

 

إنّ تفسيرَ الظّاهرةِ بهذهِ الطّريقةِ قد يساعدُ على فهم كيفيّة تأثير التّغيّرِ المناخيّ في توزّعِ وانتشارِ الأنواعِ النّباتيةِ المختلفة، فعلى سبيلِ المثال؛ إذا أصبحت منطقةٌ ما أكثرَ دفئاً وجفافاً فإنّنا غالباً نرى أنواعاً نباتيّةً ذاتَ أوراقٍ صغيرةٍ تحلّ محلَّ النّباتاتِ كبيرةِ الأوراق؛ لأنّها تستطيعُ التّكيفَ مع الظّروفِ البيئيّةِ الجديدةِ على نحوٍ أفضل.

 

إذ أظهر بحثٌ سابقٌ أنّ أبعادَ أوراق الشّجيرة الأستراليّة الدودونيا (Dodonaea viscosa) قد ضاقت بمقدار 2 مليمتر، أو 40 في المائة من مساحتها خلالَ القرنِ الماضي، وقد يكون ذلك استجابةً لارتفاعِ درجاتِ الحرارةِ في تلك المنطقة.

 

هل عرفتم الآنَ سببَ كبرِ حجمِ أوراقِ النّباتاتِ في المناطقِ الاستوائيّة، حسناً تذكّروا هذا المقال في حالِ زُرتم تلكَ المناطق يوماً ولاحظتم ذلك.

المصدر: هنا