الفيزياء والفلك > فيزياء

المُختَصَر في نظَريَّةِ الأوتار

تواجه الفيزياءُ اليومَ مشكلةً صعبةً للغاية؛ إذ توجد نظريّتان لوصفِ الكونِ من حولنا هُما: النسبيّة العامّة، وميكانيكا الكم، وتَعمَلُ كلٌّ مِن هاتَين النَظريتَين على نحوٍ مثاليٍّ ضِمنَ حيّزٍ مُعيّن؛ فالنسبيّةُ العامَةُ تَصِفُ الكونَ وتُفسِّر الظَواهِر الّتي تحدثُ على المستوى الكونيّ الكبير، في حين تَصِفُ نظريّةُ ميكانيكا الكَمّ الظواهِرَ على المُستَوى الذَريّ المُتناهي الصِّغر، ولكنْ تتبدّى المُشكلةُ عِندَما نُحاوِلُ جَمعَ هاتَين النَظريّتين مَعاً لإيجادِ نظريّة واحدةٍ تصِفُ الكونَ على المستوَيَين الصغير والكبير كَكُل، إذ تغدو الأمور أشدَّ تعقيدًا.

ولكونِ الجمعِ بينهما غيرُ ممكن في الوقت الراهن، فنحن بحاجة إلى نظريّة تحل المشكلة، ومن هُنا أتت نظريّة الأوتار “String Theory”؛ فمنذ أوائل عام 1900 ساهمت العديد من النظريات الفيزيائية في صياغة النموذج الأوليّ لنظرية الأوتار عام 1968، في محاولةٍ لِجمعِ قوانين ميكانيك الكمّ مع النسبيّة العامّة بما لا يخلق تعارضاً بينهما، ومع أنّها لا تزال قيدَ البحثِ والدراسة؛ لكنّها قدّمت تفسيراً فريداً للكون من حولنا، وإذا ما  صحّت فإنّنا - فعلاً - نعيشُ في عالمٍ غريبٍ جداً ومختلفٍ عمّا كنَّا نتصوّرُه.

 

أصلُ كلِّ شيء!

دأبَ العلماءُ على البحث عن الشيء الأساس الذي يُشكل المادة، فاكتشفوا الذرّة، ثم أجزاء الذرّة (الإلكترونات - البروتونات - والنيوترونات)، ثمّ بدأوا بالبحث في هذه الأجزاء (البروتونات و النيوترونات) فاكتشفوا أنَّها مُكوّنة من الكواركات “Quarks” التي عُدَّت مكوّن المادّة الأساس، ولكنَّ نظريَّةَ الأوتار تفترضُ بأنَّ هناك ما هو أصغر من الكواركات؛ وهو عبارة عن  أوتار حلقيّةً من الطاقة تهتزُّ على الدوام مثل أوتارِ الآلات الموسيقية! نعلمُ أنّ اهتزاز الأوتار الموسيقية يؤدي  إلى إصدار النغمات الموسيقيّة، وكلّما اختلف تردُّدُ اهتزاز الأوتار أصدَرَتِ الآلةُ الموسيقيّة نغمةً مختلفة، وكذلك في نظرية الأوتار فكلُّ تردُّدِ اهتزازٍ مختلفٍ يوافق جُسيمًا مختلفًا، ومن ثَمَّ نوعًا مختلفاً للمادة تبعًا لاهتزازات الأوتار وتفاعلِها بعضِها مع بعضٍ؛ ويمكن لهذه الأوتار أن تأخذَ شكلاً حلقياً مُغلقاً أو مفتوحاً أو كليهِما.

إذًا فمبدأ نظريّة الأوتار الأساسُ هو: اللَّبِنة الأساس للمادة هي أوتارٌ صغيرةٌ مُهتزّة! وانطلاقاً من هذا المبدأ لدينا اليومَ عدّةُ نظريّاتٍ تصف الأوتارَ، لكنّها تختلف تِبعًا  لعوامل مثل:

1. أَهذه الأوتارُ مفتوحةٌ كالخيوط أم مُغلقةٌ كالحلقات؟

2. هل تشمل النظريّةُ البوزوناتِ (الجسيماتِ التي تنقل القوى) فحسبُ أم الفرميونات (الجسيماتِ الّتي تشكل المادة) أيضاً؟

3. هل تنطبق قوانينُ ميكانيك الكمّ انطباقاً معقولاً على هذه النظريّات؟

إذا كان الجواب عن السؤال الثاني هو "البوزونات فقط"، فسوف نحصلُ على نظرية الأوتار البوزونيّة Bosonic string theory، وإذا كان الجوابُ "تشمل البوزونات والفرميونات"، فنحن بحاجةٍ إلى مبدأ التناظر الفائق؛ ما يعني الربطَ بين البوزونات (الجسيمات التي تنقل القوى) والفرميونات (الجسيمات التي تشكل المادّة)، وتُسمّى هذه النظرية باسم "نظريّة  الأوتار الفائقة" Superstring theory.

 

وهناك خمسة أنواع من نظريّة الأوتار، كما يتضّحُ  في الجدول أدناه.

وفي النهاية،  هل تنطبقُ قوانينُ ميكانيك الكم انطباقاً معقولاً على هذه النظريّات؟

بالنسبةِ إلى نظريّة الأوتار البوزونيّة؛ يمكننا أن نجيب بـ"نعم" إذا كان عدد أبعادُ الزمكان 26! أمّا بالنسبةِ إلى نظريّة الأوتار الفائقة فعلينا أن نُقلّل العدد إلى 10 أبعادٍ زمكانيّة! لكن فلنتوقَّف لحظةً!! مع هذهِ الأعداد العَجيبة من الأبعاد؛ كيفَ وصَلنا إلى أبعادِ الزمكان الأربعة (الطول، العرض، الارتفاع، الزمن) الّتي نراها ونشعر بها في عالمنا؟  هذه  قصّة أُخرى.

 

إذا أردنا أن نعرفَ كيفَ أصبحَ عالمُنا يتألفّ من أربعة أبعادٍ عوضًا عن عشْرةِ أبعادٍ فسوف يزدادُ عدد  نظريات الأوتار أكثر، وهذا لأنَّ هناك طرائقَ عدّةً قد تُمكِّننا من جعلِ ستةِ أبعادٍ (من أصل الأبعاد العشرة لنظريّة الأوتار) أصغرَ بكثير من الأربعةِ الأُخرى؛ وإنّ عمليّة تقليص الأبعاد الزمكانيّة غير المرغوب بها تعطينا فيزياءَ جديدةً مثيرةً للاهتمام بحدِّ ذاتها.

يسعى العُلماء إلى تقليص عدد الأبعاد الزمكانية لنظريّة الأوتار، لكنهم يسعون أيضًا إلى  تقليص عدد نظريات الأوتار، بيد أنّ الفيزيائيين باتوا يعتقدون أنّ ما كانوا يرَونهُ على أنهُ نظرياتٌ مختلفة في السنوات الأخيرة ما هو في الحقيقة إلّا طرائقُ مختلفةٌ للنظر إلى  النظريّة نفسِها! وقد أُطلِقَ على هذه الفترة في تاريخ السلسلة اسمَ ثورةِ الأوتار الثانية "The second string revolution"؛  والآن يسعى العلماء جاهدين إلى تقليص الجدول أعلاه إلى نظرية واحدة؛ يسمّيها البعضُ بنظريّة M؛ لأنها توحّد كل هذه النظريات!

ما هيَ نظريّة M؟

عرَّفها مؤسِّسُ النظريّة إدوارد ويتن “Edward Witten”  بالنظريّة السحريّة، إذ أوجَدت ثُنائيّة مشتركة تزيلُ الفروق بين هذهِ النظريّات المختلفة. إذًا فالهدف الأساسُ من هذه النظريّة هو توحيد  نظريّات الأوتار كلِّها واختزالُها في نظريّة واحدة شاملة، ومنذ تأسيسها في عام 1995؛ ما تزالُ هذه النظريّة في طَورِ التَحديث المستمر، وقد صرّح ويتن في مناسباتٍ عديدة بأنَّها غير مكتملة إلى الآن.

 

 

الأكوان المتعددة

تعودُ بنا نظريّة الأوتار إلى ما قبل الانفجار العظيم “The Big Bang”؛ مفترضةً أنّ هناك أكواناً متعددة وبذلك فإنَّ كونَنا ليس وحيداً! بل وتُعطي رؤيةً جديدةً لنشأة كوننا، إذ تَعُدُّ أنَّ سببَ حدوثِ الانفجارِ العظيم الّذي أنتجَ كونَنا ما هو إلّا انقسامُ كونٍ واحدٍ مُشكّلاً كونَينِ مختلفين، أو ربَّما اصطدامُ كونَين بعضِهما مع بعضٍ مُشكّلَين كوناً آخر، عادَّةً أنّ كوننا ليسَ إلا واحداً من بين عددٍ كبيرٍ جدًا منَ الأكوانِ الّتي يمتلك كلٌّ منها نظاماً مختلفاً وقوانينَ مختلفةً يسيرُ وَفقَاً لها، وكذلك ففي كلِّ لحظةٍ تولدُ أكوانٌ جديدة بأعدادٍ ضخمة.

وما يدعم فكرةَ الأكوان المتعددة هي نظريّة الأوتار، إذ تقول نظريّةُ الأوتار بأنَّ وجودَ أبعادٍ إضافيّة - لا نُدرك منهُا إلا أربعةً فحسبُ - قد يعني أنّ تلكَ الأبعاد الإضافيّة تُشكّل أكواناً أُخرى ذاتَ أنظمةٍ مختلفةٍ عن أنظمة كوننا.

 

تحدّياتُ الأوتار

ما يزال وجودُ الأوتار غيرَ مؤكّدٍ؛ ولا وجودَ لدليل تجريبيٍّ عليها حتَّى الآن، مما جعل علماءَ كُثُراً يُعارضونها ويعتقدونَ أنّها مجرّد تكهناتٍ لا وجود لها على أرضِ الواقع؛ والمُعضلة الأساسُ هُنا هي استحالة رؤية هذهِ الأوتار المُتناهية الصّغر في المُختبر؛ فهي أصغرُ بمليارِ مليار مرّة من ذرّة الهيدروجين! ولكنْ يطمح العلماء إلى إمكانيّة إثباتِ الأبعاد الإضافيّة اعتماداً على مُصادِم الهدرونات الكبير “Large Hadron Collider” خلالَ السنوات المُقبلة.

 في النهاية، لا تزالُ النظريّة في طَورِ البحث، ويعملُ عليها فيزيائيّونَ معاصِرونَ منذُ سنواتٍ؛ أمثالُ براين غرين “Brian Greene” و ميتشيو كاكو “Michio Kaku” في مساعٍ حثيثةٍ لإثباتها وتطبيقها على الواقع، مما سيَحُل أكبرَ تحدٍّ في الفيزياءِ الحديثة.

 

المصادر:

1 - هنا

2 - هنا

3 - هنا

4 - هنا