الهندسة والآليات > هندسة البترول والغاز

خطوةٌ جديدةٌ نحو فهمِ الحواسيبِ الكموميّة

سيتوقفُ تطوّرُ الحواسيبِ التقليديّة المبنيّة على داراتِ السيليكون مع عام 2020، ولكنّ تطوّرَ الحياةِ لن يتوقف وسيحملُ هذا التطوّرُ المزيدَ من البيانات والحسابات المعقدة الّتي تحتاج لحواسيبَ خارقةٍ من نوع آخر؛ ومن هنا نشأت الحاجةُ للحواسيب الكموميّةِ الّتي من الممكن أن تكونَ الحلّ للمسائل المستحيلةِ على الحواسيب التقليدية، وهذا سيحملُ تغييراً جذريّاً في العديد من المجالات مثل الكيمياء الكموميّة وعلم الموادّ وتعلّم الآلة وعلم التشفير.

لكن هنالك العديدُ من العقبات الّتي تواجهُ الحواسيبَ الكمومية، والّتي بحاجة إلى حلّ. واحدة من تلك العقبات هي صعوبةُ محاكاةِ هذه الحواسيبِ الكموميّة عبرَ الحواسيب التقليديّة، وليتمكن العلماءُ من معرفةِ إذا كانت هذه الحواسيب ستعملُ بشكلٍ صحيحٍ، ولإجراءِ عملياتِ المعايرةِ يقومُ العلماءُ بتنفيذِ محاكاةٍ لهذه الحواسيب عن طريق الحواسيب التقليدية الخارقة.

بوجهٍ أكثر تفصيلًا، فإنّنا نجدُ الصعوباتِ التي تواجهُ الخبراءَ عند إجراء عملياتِ المحاكاةِ تتمثلُ في الحجمِ الكبيرِ للبيانات والعمليات الحسابية اللازمة لتنفيذ هذه المحاكيات، وهذا نتيجة لحالة التراكب في الجزيئات الكمومية التي تسمح لهذه الجزيئات أن تُوجَدَ بأكثر من حالةٍ في نفسِ اللحظة.

فعلى سبيل المثال يمكنُ تمثيلُ الفوتون المستقطب أفقيًا بحالة 0 والفوتون المستقطب عمودياً بالحالة 1، وعندما يكونُ الفوتون في حالةِ التراكبِ الكمومي عندئذٍ يمكن تمثيله كـ 0 و1 في نفس اللحظة. وبسبب هذه الحالة يمكن لفوتونين تمثيل 4 أرقام و 3 فوتونات تمثل 8 أرقام في نفس اللحظة وهنا تكمنُ قوةُ الحواسيبِ الكموميّة. وبهذه الطريقة يمكن ل 50 فوتون تمثيل 10،000،000،000،000،000 أرقام، وهذا الرقم يتطلبُ ذاكرةً بحجمِ واحد تيرابايت لتخزينه على الحواسيب التقليدية. هل شعرتم بالفرقِ الهائل في الإمكانيات؟!

يوجد الكثيرُ من المحاولات السابقةِ لتطبيقِ محاكيات الدارات الكمومية، لكن معظمُ هذه التجارب تمّت على نُظُمٍ صغيرةٍ وحيدةِ العقد، وأشهر هذه المحاكيات تستخدمُ محاكي Microsoft LIQ المبني على لغة #F ولذا فهو بطيء بالمقارنة مع المحاكيات المبنية بواسطة لغة ++C. في عام 2010 تمّ استخدامُ محاكيات تفرعيّة لتنفيذِ محاكاةٍ لهذه الدارات الكمومية بحجم 42 كيوبت (بت كمومي) على الكمبيوتر الخارق المسمى جوليش. وبقي هذا العدد هو الرقمُ القياسيّ المسجِّلُ لأكبر عمليةِ محاكاةٍ لحاسوبٍ كمومي حتى الربع الأول من عام 2017.

مؤخراً تمكن توماس هانر (Tomas Haner) ودامين شتايغر (Damian Steiger) من جامعة ETH في زيورخ في سويسرا من تحقيقِ خطوةٍ كبيرةٍ في هذا المجال، حيث قاما بتحسينِ الأنويةِ الحاسوبيةِ لمحاكياتِ الدارات الكمومية لتقليل الزمنِ اللازمِ للتنفيذ باستخدام النّظمِ متعددةِ المعالجات، وباستخدامِ خامسِ أقوى حاسوبٍ خارقٍ في العالم تمكّنوا من محاكاةِ حاسوب كمومي بقوة 45 كيوبت. محطمين بهذا الرقم القياسي لأكبر عملية محاكاة لحاسوبٍ كمومي تمّ إنجازها، وفاتحين الطريق للمزيد من التجارب في المستقبل.

استخدمَ الفريقُ الحاسوبَ المسمى (كوري 2) الموجود في مختبر لورنس بيركلي الوطنيّ في كاليفورنيا (Lawrence Berkeley National Laboratory)، يتألف هذا الحاسوب من 9304 عقدة معالجة كلُّ واحدةٍ منها تحوي معالج إنتل زيون فاي 7250 ذي ال68 نواة وتعمل بتردد 1.4 غيغاهرتز، ليصلَ أداؤه ل 29.1 بيتافلوب (الفلوب: هو عددُ العملياتِ الحسابيةِ على أرقامِ الفاصلةِ العائمة في الثانية) ومجموع الذاكرة يصل لـ 1 بيتابايت (1015 بايت).

قام الفريق بأكثر من عمليةِ محاكاةٍ لحواسيبَ تعملُ ب30، 36 و 42 كيوبت على التوالي، ومن ثم قاموا بتشغيلِ المحاكي بقوة 45 كيوبت مستخدمين 8192 عقدة وذاكرة 0.5 بيتابايت محققين أداءً يبلغُ 0.428 بيتافلوب. وهذا أقل بكثير من أداء الحاسوب الخارق، وعلى الرغم من التحسيناتِ في الخوارزمية التي أضافَها الفريقُ إلا أنّ الاتصالَ بين العقد يستهلك 75% من وقت التنفيذ ما يسبب ضعفاً في الأداء.

كما قام الفريق بإجراء عملياتِ محاكاةٍ أخرى على حاسوبٍ أضعف موجود في المختبر والمسمى أديسون والذي يحوي معالجات إنتل زيون E52695 المؤلف من 12 نواة لكلّ معالج، ويؤمّنُ أداءً أعظم يساوي 2.57 بيتافلوب. حيث قاموا بمحاكاة حواسيب ب30 و 36 كيوبت لتجريب الخوارزمية على جهاز أضعف مُثبٍتينَ أنّ النتائجَ التي حصلوا عليها ليست نتيجةَ الأجهزةِ الحديثةِ فقط بل هي نتاج التعديلات التي قاموا بها.

ستفتح هذه التجاربُ آفاقاً جديدةً أمامَ الباحثين لتجربة حواسيب كمومية أقوى، وتمهّد الطريقَ لمعرفةِ كيفيةِ عملها تماماً، وهذا سيساعد أكثر في فهمِ طريقةِ استخدامها وما هي حدودُ إمكانياتها الحقيقية، قبل أن تصبح تلك الحواسيب واقعًا نعيشه.

المصدر:

هنا