الغذاء والتغذية > الرياضة وتغذية الرياضيين

سلسلة الإصابات والآلام الرياضية - التعضيل وآلام ما بعد الرياضة

استمع على ساوندكلاود 🎧

"معضل عايف حالي".. العبارة التي يرددها الجميع في اليوم التالي ليوم البدء بممارسة الرياضة لأول مرة أو بعد انقطاعٍ طويلٍ نسبياً أو حتى عند تطبيق نظامٍ رياضيٍ أكثر شدة من المعتاد، حين تستيقظ مع ألم قد يكون قليلاً أو قد يصل لدرجة يصبح تحريك يديك لتنظيف أسنانك أمراً صعب..

والتعضيل من أكثر آلام ما بعض الرياضة شيوعاً ولكنه ألمٌ محببٌ للكثير خاصةً الرياضيين منهم فهو يعني أن عضلاتك تزداد قوةً؛ فما هو التعضيل علمياً؟ وما أسبابه؟ وهل يجب أن نتوقف عن التمرين حتى يختفي الألم؟ وهل يجب معالجته؟ وهل من الممكن الوقاية منه؟ أسئلةٌ كثيرةٌ نجيب عنها في مقالنا التالي..

تعريف التعضيل وأسبابه:

التعضيل هو الاسم الشائع لهذا الألم، ولكن علماء الفيزيولوجيا يعبرون عن الألم أو عدم الراحة المتزايدَين تدريجياً خلال 24-48 ساعةً بعد النشاط بمسمى آخر، يُعرف ببتأخر ظهور وجع العضلات Delayed Onset Muscle Soreness (DOMS)، وهو نوعٌ من التهاب العضلات، إلّا أنه يعتبر طبيعياً تماماً.

ويحدث هذا النوع من الالتهابات عندما يُطلب من العضلات أن تعمل بجهدٍ أكثر من المعتاد، أو بطريقةٍ مختلفةٍ عن المعتاد، ورغم أن السبب الدقيق وراء هذا الألم العضلي المتأخر لا يزال مجهولاً، إلا أن معظمَ الأبحاثِ تشير إلى أن هذا الجهد يسبب ضرراً وتمزقاتٍ مجهريةً (مايكرويةً) Microscopic Tears لألياف العضلات، مما يؤدي إلى حدوث التهاب ووجع العضلات أو تصلبها.

وغالباً ما يتم الخلط بين التعضيلِ والإرهاق العضلي Muscle Fatigue، إذ يعتقد الكثيرون أن التعضيل ناجمٌ عن تراكم حمض اللبن Lactic acid، وهو أمرٌ خاطئ تماماً، فحمض اللبن لا يتدخل في هذه العملية إطلاقاً. إذاً ما الفرق بين التعضيل والإجهاد العضلي؟

حين تمارس أجسامنا التمارين الرياضية، نبدأ بالتنفس بوتيرةٍ أسرع لنقل المزيد من الأكسجين إلى عضلاتنا، وهنا يفضّلُ الجسم توليدَ معظم طاقته بالطرق الهوائية، أي من خلال استنشاق الأكسجين وإنتاج الماء وغاز ثاني أوكسيد الكربون.

ومع ذلك، تقتضي بعض الحالات – كما في حالات الرياضات الشديدة – إنتاجَ الطاقة بسرعةٍ أكبرَ من تلك التي تستطيع بها أجسامنا الحصولَ فيها على الأكسجين بشكلٍ كافٍ ومناسب.

و في هذه الحالات، تقومُ العضلات العاملة بإنتاج الطاقةِ بشكل يُعرف بالطريقةِ اللا هوائية عن طريق تحلُّيل سكر العنب (الغلوكوز، أو سكر الدم) Glycolysis إلى مادةٍ تسمى البيروفات Pyruvate عبر سلسلةٍ من التفاعلات البيوكيميائية.

تنتقل البيروفات إلى مسارٍ هوائي حالما يتوفر للجسم قدرٌ كافٍ من الأكسجين، وعندها تتفكك لتولّدَ مزيداً من الطاقة، لكن محدويةَ الأوكسجين تؤدّي إلى تشكّل مادة اللاكتات، وهي مادةٌ حمضية في طبيعتها، تساعد على تفكك الجلوكوز مما يساهم في استمرار إنتاجِ الطاقة.

ويمكن أن تواصل العضلات العاملة إنتاج الطاقة بالمسار اللّا هوائي وبمعدلات مرتفعةٍ تتراوح مدّتها من دقيقةٍ إلى ثلاثِ دقائق، وهنا تتراكم مادة اللاكتات لتصل إلى مستوياتٍ عاليةٍ في الجسم، لتكون زيادةُ حموضةِ خلايا العضلاتِ أحد الآثار الجانبية لذلك، جنبًا إلى جنب مع اضطراب مركبات أيضية أخرى.

وخلافًا للرأي السائد، فإن تراكمَ اللاكتات، أو ما يُعرف بحمض اللاكتيك، ليس مسؤولًا عن ألمِ العضلات في الأيام التي تعقب ممارسةَ التمرينات الشاقة. بل على العكس تماماً، فإن إنتاج اللاكتات والمركبات الأيضية الأخرى أثناء ممارسة المجهودِ الشاقِ يؤدي إلى الإحساس بالألم خلال وقت قصير نسبياً من ممارسة النشاط، وغالباً ما يكون الشعور به في العضلات النشطة فقط.

الفئة المعرضة للتعضيل:

يمكن لأي شخص أن يتعرض للتعضيل في أي وقتٍ من ممارستِهِ للرياضة، بل حتى إن الرياضيين المحترفين الذين يمارسون الرياضة لسنوات طويلة عرضةٌ لذلك أيضاً. ويمكن أن يكون التعضيل مثيراً للقلق ومزعجاً للأشخاصِ الجددِ على ممارسة الرياضة، وخاصة المتحمسون منهم الذين يبدؤون بسرعةٍ دون تدرّج، لكن الخبرَ المفرح أنّ الألمَ ينخفض عندما تبدأ عضلاتك بالاعتياد على المتطلبات الجديدة، ممّا يعني أنها تصبح أقوى.

النشاطات التي تسبب التعضيل:

يحدث التعضيل عند القيام بأيّ حركةٍ لستَ معتاداً عليها أو جهدٍ عضلي أكبرَ من المعتاد، ونخصّ بالذكر الحركاتِ التي تدفعُ العضلاتِ للانقباضِ أثناءَ الاستطالة، وتسمى بتقلصِ العضلاتِ اللّامركزي Eccentric muscle contractions، ويحدث عند تمدُّد العضلة مقابلَ حملِ وزنٍ ثقيل، كما لو أن الذراعين مثتيّانِ ويحاولان الإمساكَ بوزن ثقيل جدًّا.

وبعبارة أخرى، تنقبضُ العضلةُ بشكلٍ نشِط في محاولة لتقصيرِ طولها، غير أنّ تلكَ العمليةَ تبوء بالفشل. وقد تبيّنَ أن تلفَ العضلاتِ الناتجَ عن التقلصاتِ اللامركزية يكون أكبرَ من التلف الناتجِ عن التقلصاتِ النمطيةِ متّحدةِ المركز، كما أنّ التمريناتِ التي تنطوي على الكثيرِ من التقلصاتِ اللامركزية - مثل الركض على المنحدرات – تسبّبُ ألماً عضلياً متأخراً وأكثرَ شدّةً، حتى وإن لم يكن هناك أي إحساسٍ ملحوظٍ بالحرَق في العضلات خلال التمرين. وكأمثلةٍ على هذا النوع من التقلصات نزولُ الدرج أو الهرولةُ أو الركضُ إلى أسفل، أو خفضُ الأوزان (مثل المرحلة المنخفضةِ من تمرين عضلة الذراع "البايسيبس")، والحركةُ الهبوطيةُ للقرفصاء، والضغط.

إلى متى يستمر التعضيل؟

عادةً ما يستغرق التعضيل ثلاثةَ إلى خمسةِ أيام. ويتراوح مقدار الألم بين الخفيفِ والشديد، وعادةً ما يحدثُ بعدَ يومٍ واحدٍ أو يومين من التمرين. ولا ينبغي الخلط بين هذا النوع من آلامِ العضلات وبين أي نوعٍ آخر من الألمِ الذي قد يواجهُهُ المرء أثناءَ ممارسةِ الرياضة، مثل الألمِ الحادِ والمفاجئ أوالإصابات، أو تمزّقِ العضلات والالتواءات.

علاج التعضيل:

لا توجد طريقةٌ واحدةٌ بسيطةٌ لعلاجِ التعضيل، ولم يثبِت أيّ شيءٍ فعاليته 100٪، وعادة ًما يلجأ الشخص إلى العلاجاتِ بأكياسِ الثلج، والتدليكِ، والعلاجِ بالإبر، والأدويةِ المضادةِ للالتهاباتِ (مثل الأسبرين أو الإيبوبروفين)، والراحة، إذ يساعدُ ذلك على تخفيف بعض الأعراض ولكنه لا يعالجها. وبشكلٍ عام لا يتطلب التعضيل تدخلاً طبياً، ولكنّ ذلك لا يمنع من الحصول على المشورةِ الطبية إذا تطور الألم أو طال لفترة كبيرة، أو ظهرت تورماتٌ أو أصبحَ لون البول داكناً.

كما أنه من الضروري القيامُ بتمارين الإحماءِ قبلَ التمرين، وتمارين التبريدِ بعدَه، فمن شأن ذلك أن يساعد في تحفيف شدة التعضيل اللاحق، ذلك أن درجة حرارة العضلات تزداد مؤديةً إلى ازدياد تدفق الدم، الذي يجلبُ معه الأوكسجين والمواد الغذائية إلى الموقعِ المصاب، كما أنّ زيادةَ تدفقِ الدمِ تُساعد أيضاً على التخلص من المهيجات الكيميائية المسؤولة عن الألم.

كيفَ نمنع حدوثَ التعضيل؟

إن أفضلَ الطرق لمنع حدوث التعضيل أو تقليل شدّتِهِ قدرَ الإمكان هو بدء أي برنامجِ نشاطٍ جديدٍ برفقٍ وبشكلٍ تدريجي، ولا تدعْ حماسك المفرطَ يتحكم بك، بل اسمح للعضلاتِ بأخذِ وقتها للتكيّفِ مع الحركات والشدّة الجديدتين؛ وكما ذكرنا فإن الإحماءِ والتبريدِ فعّالان في تقليل التعضيل.

يمكن لأخذِ قيلولةٍ قصيرةٍ بعد التمرين من عشرٍ إلى ثلاثين دقيقة أن تساهم في استعادة الطاقة، مما يحسن الأداء بشكلٍ كبير. كما أن تناول وجبةٍ غدائيةٍ سائلةٍ بعد التمرين المكثف يساعد العضلات على التعافي واستعادةِ القوة، ويمكن الاعتماد على مزيجٍ من البروتين والكربوهيدرات، كما تشير إحدى الدراسات إلى أنّ تناول مصدرٍ بروتينيّ عالي الجودة من بياض البيض أو فول الصويا أو بروتينِ مصلِ اللبن أمرٌ جيدٌ جداً، إضافةً إلى الكربوهيدرات سريعةِ الهضم مثل البرتقال، والأناناس، أو التوت، والتي تساعد في إعادةِ تزويدِ العضلات بالوقودِ وتسريع الانتعاش.

يُنصح أيضاً باختيارِ اللباس المناسب لكل رياضةٍ للمساعدةِ في تدعيم العضلات وحمياتها، كما يجب على كل شخصٍ سواء كان مبتدئاً أم لا أن يقومَ بالتمارينِ الرياضيةِ التي تتضمنُ الأوزانَ الكبيرةَ بهدوءٍ وتركيزٍ لمنع تضرر العضلات والأربطة. ولا غنى عن الراحة، والنظام الغذائي السليم، وغيرِها من الأشياءِ التي يمكن أن تساعد في تخفيف وجع العضلات، وتعافيها، ومنع الإصابة، حتى تتمكن من البقاء في صحة جيدة وسعيدة والحفاظ على ممارسة الرياضة.

التمرين أثناء التعضيل:

على الرّغمِ من أنّ الألم سيسبّبُ شعوراً بعدمِ الارتياح أثناء ممارسة التمارين الرياضية إلا أن متابعة التمارين الرياضية أمرٌ ممكنٌ أثناءَ التعضيل، ومن المتوقع أن يكون الألم كبيراً في بداية التمرين أثناء الإحماء ولكنه سيخف لاحقاً أثناء التمرين ثم يعود عندما تبرد العضلاتُ من جديد. أما إذا كان الألم كبيراً جداً، فمن المستحسن أن يتم التوقف عن النشاطات الرياضية لبضعة أيام حتى يخفّ الألم، وبدلاً من ذلك، يُنصح بالتركيز على التمارين التي تستهدف العضلات الأقل تأثراً للسماحِ للعضلات المتضرّرة بالتعافي.

تكرار حدوث التعضيل:

يمكننا القول أن التعضيل نوعٌ من تكّيف العضلات، مما يعني أنّ العضلات تتكيف مع النشاط الجديد. وفي المرة القادمة التي تقوم فيها المرء بنفس النشاط، أو يمارسُ فيها نفسَ الكثافة من التمارين، سيكون هنالك تلفٌ أقلّ في الأنسجة العضلية، وألمٌ أقل، وانتعاشٌ أسرع.

نوبةٌ واحدةٌ فقط من التعضيل تمتلك في الواقعِ تأثيراً وقائياً جزئياً يقلل من فرصِ حدوثِ الالتهاب والألم في حالِ ممارسة النشاطِ نفسه في الأسابيع أو الأشهرِ التالية.

المصادر:

هنا

هنا

هنا