الهندسة والآليات > التكنولوجيا الطبية

هل بات الشلل مرضاً يُستطاع التغلبُ عليه تكنولوجياً؟ عمليةُ زرعٍ في الدماغِ تُمكّن مصابةً بالشللِ من التواصلِ مع العالم.

استمع على ساوندكلاود 🎧

اعتُبِرَتْ امرأةٌ مشلولةٌ في هولندا رسمياً أول امرأة يتوافقُ جسدُها مع أحدِ أحدثِ عملياتِ الزرعِ في الدماغ، وذلك بعد أن سمحت تلك الجراحةُ لهذه المريضة من التواصلِ مع العالم عبر أفكارها فقط، حيثُ منعَتها إصابتُها سابقاً من الحركة والكلام.

هذا النوعُ الجديدُ من عملياتِ الزرعِ والمرتبطِ بواجهةِ حاسوب لمساعدة المريض على لفظِ الكلماتِ والجملِ يُمكِنُ استخدامه في أيّ مكان، مما يساعدُ على التواصلِ مع العالم الخارجي دون مساعدة أيّ طبيب مختص.

يقولُ عالمُ الأعصابِ وقائدُ فريقِ البحثِ في كلية الطب بجامعة أوترخت نيك رامسي:"هذه سابقةٌ من نوعها، فنظامُ الزرعِ هذا، يعتبرُ نظاماً متكاملاً يُمكِنُه العملُ في البيت دون الحاجة إلى أي خبير ليقومَ بالإشراف عليه".

تمّ تشخيصُ المريضةِ بمرض التصلّب الجانبيّ الضموريّ في عام 2008 وسرعان ما ماتت خلايا أعصابها بسببه، وخلالَ سنتين فحسب تحولت من امرأةٍ تتمتعُ بصحةٍ مميزةٍ إلى حالةٍ يُرثى لها مع عدم قدرتها على التحدث أو الحركة.

قبلَ أن يلتقي رامسي بها كانت تستخدمُ جهازاً يتتبعُ حركةَ العينين مما يسمحُ لها باختيار كلماتٍ معينةٍ أو أحرف تظهرُ على شاشةِ الحاسب لتشكيلِ الجمل التي ترغبُها، ولكن هذا الحلّ كان حلاً مؤقتاً، حيث إنّ كلّ واحدٍ من ثلاثةِ مصابين بهذا المرض يخسرُ قدرتَه على تحريكِ عينيه في النهاية.

كان هدفُ رامسي اكتشافَ طريقةٍ لبناءِ نظامٍ جديدٍ لا يعتمدُ مبدؤه على أيّ نشاطٍ فيزيائيّ (النظام الذي يستخدمه عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكنغ يعتمد على سيطرة المريض على عضلات خده)، وهذا ما وصل به إلى نتيجة حتمية، وذلك أنّه بحاجةٍ إلى جهازٍ يستطيعُ قراءة الأفكارِ في الدماغ دونَ إبداءِ أيّ جهدٍ عضلي.

إلا أنّ العديدَ من الأجهزةِ التي يمكنُ زرعُها في الدماغ، والتي تمّ تطويرها في السنواتِ القليلةِ الماضية لمساعدة مرضى الشلل أو الأطراف المتضررة، نحتاجُ الكثيرَ من الوقتِ قبل أن نتمكنَ من إخراجِها من المختبرات إلى بيوت المرضى. لذلك أرادَ رامسي وفريقُه بناءَ هذا النظام الذي لا يحتاجُ أي خبراتٍ طبيةٍ لتشغيلهِ حيث يقول: "بطريقة أو بأخرى، لم يقمْ أحدٌ بتطويرِ أجهزةٍ تعملُ كتطبيقات سريرية، ولم يقمْ أحدٌ باتخاذ خطوة لجعلِها تعمل في المنزل".

يتمّ زرعُ الجهازِ داخلَ الدماغِ من خلال عملية جراحية، وذلك بوضع قطبين كهربائيين على المنطقة المسؤولة عن الحركة في القشرة الدماغية، ويعتبرُ موضِعُ هذين القطبين أمراً بالغ الأهمية، حيث يجبُ أن يوضعَ أحدهُما على القسم المسؤول عن تحريكِ اليد اليمنى في القشرة الدماغية، أما القطب الآخر فيوضعُ فوقَ القسمِ المسؤولِ عن جعل الإنسان مستعداً ليقومَ بالعدّ بطريقة عكسية.

ويتمّ وصلُ هذين القطبين بمرسلٍ بحجمِ مُنظّمِ ضرباتِ القلبِ مزروع في صدر المريض، وهذا المرسل قادرٌ على الاتصال لاسلكياً بجهاز حاسوبٍ ليعرضَ على شاشتِه الموضوعة أمام المريض، وباستخدام برنامجٍ خاصٍ بالجمل التي يرغب المريض بذكرها.

عندما ينظر المريض إلى الشاشة فسيرى مربعاً يتحركُ فوقَ أحرفِ الأبجدية، وحالما يتوقفُ المربع على الحرف الذي تريدُه فيجبُ عليه أن يتخيلَ نفسه وهو يُحرِكُ يدَه كي يضغطَ عليه، بالطبع هو لا يستطيعُ تحريكَ يده ولكن دماغه ما زالَ يطلقُ إشاراتٍ عصبيةٍ من شأنها تحريك اليد لو كان باستطاعته ذلك، وهنا تقومُ الأقطابُ بنقلِ الإشارةِ إلى المرسل ومن ثمّ إلى البرنامج في جهاز الحاسوب.

بعد 6 أشهر من التدريب أصبحت المريضةُ قادرةً على استخدام النظام بنسبة 95%، ولكن استخدامَ هذا الجهازِ للتواصل ما يزالُ يُعتَبَرُ عمليةً بطيئةً حيث إنّها تستغرقُ عدة دقائق لتقولَ كلمةً واحدة، لكن المريضةَ ما زالت تزيد من سرعتها مع التدريب، ففي البداية كانت تستغرق 50 ثانية لاختيار حرف ما، أما الآن تستغرق 20 ثانية فقط.

وظهرت بعضُ المخاوفِ عند عرضِ فكرةِ زرعِ الجهاز في دماغ المريضة لاختباره، ولكن المريضة تقول بأنّها تشعرُ بثقةٍ أكبر عند قدرتِها على التواصل مع العالم الخارجي وخاصة في الأماكن التي تجعلُ جهازَ تتبع حركة العين لا يعمل بشكلٍ جيدٍ بسبب الإضاءة الطبيعية. وتقول:" الآن أصبحَ بإمكاني التواصلُ مع البشر خارج منزلي، عندما لا يعمل جهازُ تتبع حركةِ العين الخاص بي، أشعر بأنّني أكثر ثقةً واستقلاليةً الآن ".

بالطبع فإنّ هذا النظام لم يتمّ اختبارُه سوى على مريضةٍ واحدةٍ ومع أنّ نقلَ الجهازِ من عيادة الاختبار إلى منزل المريضة يعتبرُ أمراَ غايةً في الأهمية، إلا أنّ الجهازَ قد لا يُلاقِي نفسَ النجاحِ مع المريض التالي لذلك يجب أن نكون متفائلين بحذر. الهدف التالي للفريق هو الزيادة من سرعة سير الأمور بإضافة المزيد من الأقطاب، حيث يُخطَطُ لنظام يتألفُ من 30 -60 قطباَ، والتي يمكنُ استخدامُها للتعبير عبر استخدامِ لغةِ الإشارة أو الحديث الداخلي (حديث الشخص مع نفسه دون تحريك اللسان) للوصول لسرعةٍ أكبر بكثيرٍ من السرعة الحالية، وعندها ستتمكن من الحديث كما يتحدث الشخص الأصم.

قد يُسهّل عزيزي القارئ هذا الاختراعُ حياةَ الكثير من مرضى الشلل أو التصلّب الجانبيّ الضموري إلا أنّه ما زال في مراحلِه الأولى ونتمنى أن يلقى النجاحَ المرجو له من أجل مساعدةِ هؤلاء المرضى في التواصل مع العالم الخارجي ومع من يحبون.

المصادر :

هنا