الطبيعة والعلوم البيئية > علم البيئة

غابات الأمازون، هل هي فعلاً عذراء؟

استمع على ساوندكلاود 🎧

ظلت الأمازون لزمنٍ طويلٍ مثالاً على البرية الجامحة، ولكن البشر قد عاشوا في أكبر غابةٍ مطيرة في العالم لآلاف السنين يمارسون الصيد، وجمع الثمار، والزراعة. وقد تجادل الباحثون لسنوات في مقدار تأثير الأنشطة البشرية على غابات الأمازون، والآن تصف هذه الدراسة إلى أي مدى قد غيرت الشعوب القديمة من توزع الأشجار في الغابة.

وجدت الدراسة التي نشرت في مجلة Science، أن احتمال تواجد العديد من الأشجار المستأنسة في الأمازون أكبر بمقدار خمس مرات من الأشجار غير المستأنسة. ووجد الباحثون أيضاً أن النباتات المستأنسة تميل للتجمع حول بقايا مستوطنات الحقبة ما قبل الكولومبية، أي الأماكن التي عاش فيها الناس قبل وصول كريستوفر كولومبوس إلى القارة الأميركية. ويشيرون إلى أن هذا النمط قد يساعد العلماء الآخرين في معرفة المستوطنات القديمة غير المعروفة حتى الآن في الأمازون.

تقول Carolina Levis، الباحثة في علم البيئات القديمة من جامعة فاغينينغن Wageningen University في هولندا، والمؤلف الرئيسي للدراسة: "من غير الكافي دراسة الظروف البيئية التي شكلت مجتمعات الأشجار والنخيل هذه ،" وتضيف: " بل يجب علينا أن نسأل ما هي تأثيرات الإنسان أيضاً في هذه المجتمعات؟ "

استخدمت Levis وفريقها بيانات من شبكة تنوع أشجار الأمازون- وهي مجموعة من الباحثين الذين يتشاركون المعلومات حول النخيل والأشجار في الأمازون- لتقدير التنوع الحيوي في الغابة المطيرة. وقد تمكن علماء الشبكة حتى الآن من توصيف 4962 نوعًا من الأشجار والنخيل في الأمازون. و من أصل 85 نوعًا شجريًا مستأنس، اكتشفت Levis أن حوالي الـ 20 نوع، مثل الجوز البرازيلي Bertholletia excelsa ونباتات الكاكو Theobroma cacao، كانت متواجدةً بشكلٍ أكبر من باقي الأنواع.

أراد الباحثون معرفة فيما إذا كان هذا التواجد قد نتج عن تأثير الإنسان أو البيئة، لذلك قاموا بمقارنة توزع الأنواع المستأنسة مع أكثر من 3000 موقع أثري معروف من الحقبة ما قبل الكولومبية و أماكن الاستيطان المحتملة، بما فيها القريبة من ضفاف الأنهار. وكانت الأنواع المستأنسة أكثر وفرةً في الأماكن التي عاشت فيها الشعوب القديمة من الأنواع غير المستأنسة.

إجمالاً، حوالي 20% من توزع الأنواع المستأنسة عبر الأمازون بدا مدفوعاً بالتأثير البشري، بينما 30% من المحتمل أنه ناتج عن العوامل البيئية مثل تركيب التربة. على أية حال فإنه في جنوب غرب الأمازون - والذي كان موطناً لأعداد كبيرة من البشر في الفترة ما قبل الكولومبية- حوالي 30% من توزع الأشجار المستأنسة نتج عن الأنشطة البشرية. وأقل من 10% كان ناتجاً عن الظروف البيئية.

وتحذر Crystal McMichael الباحثة في علم البيئات القديمة من جامعة أمستردام University of Amsterdam: " أن هذا لا يعني بالضرورة أن أنشطة الإنسان القديم كانت المسؤول الوحيد عن توزع النباتات المستأنسة،" وتضيف: "من المعروف جيداً أن الشعوب القديمة والمعاصرة تستقر في مناطق متشابهة، لذلك فمن المحتمل أن المجموعات البشرية الأحدث قد أثرت بالأنظمة البيئية التي نراها اليوم بقدر تأثير الشعوب القديمة."

ويقول Mark Bush عالم البيئة في معهد فلوريدا للتكنولوجيا Institute of Technology في ملبورن: "يمكن أن تكون الأنشطة البشرية قد خلقت ظروفاً تلائم النباتات المستأنسة بشكل أكبر من مثيلاتها البرية، حيث تستطيع الأنواع المستأنسة أن تعاود استيطان مناطق الغابة التي تعرضت للتأثيرات والتغييرات البشرية بسهولة أكبر من الأنواع غير المستأنسة و بدون أي مساعدة من البشر."

عندما هجر الناس مواقع المايا في أميركا الوسطى، استوطنت أشجار Brosimum هذه المناطق. ولكن لعدة سنوات اعتقد الباحثون أن شعوب المايا قد قامت بزراعة هذه الأشجار عن عمد. ويقول Bush انه من المحتمل أن Levis وفريقها يواجهون ظاهرة مشابهة.

تقر Levis أن دراستهم لم تفصل تأثيرات الشعوب الحديثة عن أسلافها. ويتفق Bush و McMichael أنه بغض النظر عن السبب، فإن توزع النباتات في الأمازون يحاكي توزع المستوطنات البشرية الحديثة والقديمة. Levis و McMichael هم الآن بصدد تطوير نموذج محاكاة بهدف استخدام هذا النمط في إيجاد المناطق التي عاش فيها الإنسان قبل آلاف السنين.

تقول Levis: "وفي النهاية يظهر هذا البحث أن غابات الأمازون ليست أدغالاً برية جامحة لم تمسها يد الإنسان، ولكنها نظام بيئي كان البشر جزءً منه لعصور، و قد تركت أنشطتهم بصمتها على الأرض."

"يريد الناس الحفاظ على الغابات العذراء للحفاظ على الحياة البرية، ولكن في حال كان هذا صحيحاً، أي أنه قد أثرى البشر الغابات من خلال استئناس النخيل، فهذا يعتبر أيضاً تحفة ثقافية" والأشجار التي تعيش في هذه المناطق التي كانت مسكونة قد تكون آثاراَ من ماض نابض بالحياة.

المصادر:

هنا