المعلوماتية > برمجيات

خوارزميةُ تَشارُكِ المَركبات، حلولٌ عصريّةٌ بأبعادٍ مستقبليّةٍ

استمع على ساوندكلاود 🎧

كثيراً ما تعاني المدنُ الكبيرةُ من الازدحام وصعوبةِ التّنقل خُصوصاً في أوقاتِ الذُروة، و ما ينتجُ عن ذلكَ من آثارِ التّلوثِ والاستهلاك الكبيرِ لمصادرِ الطّاقة، فهل تستطيعُ خوارزميّةُ تشاركِ المركبات اعتماداً على وجهةِ مسارها من أن تُشكلَ قاعدةَ بياناتٍ متكاملةٍ تَعملُ بالزّمنِ الحقيقيّ لإيجادِ المساراتِ الأقصر وتوفيرِ المواردِ المهدورة !

كَشفت دراسةٌ حديثة ٌ من معهدِ MIT التّقنيّ في أمريكا مطلع عامنا الحالي 2017 عن تطبيقاتٍ لاستخدامِ المركبات، تتمكّن فيها من تقديمِ خدماتها إلى العددِ ذاتهِ من الأشخاص مع تخفيفِ الازدحام إلى مقدارِ الثُّلث، ذلك أنّ الإزعاجَ الّذي يُسبّبه الازدحامُ في حركةِ السّير لا يقتصرُ على سائقي المركباتِ فحسبْ، بل إنّ تأثيراتهُ السّلبيةَ تمتدُّ لتشملَ جوانبَ الصّحةِ العامّة ولتثقلَ كاهلَ الاقتصادِ بشكلٍ كبير.

قدّرتِ الدّراساتُ الدّوليةُ التّكلفةَ السّنويةَ للازدحام بمئةٍ وستينَ مليار دولار، والّتي تتضّمنُ سبعةَ ملياراتِ ساعةٍ من الوقتِ الضّائعِ للالتحاقِ بحركةِ السّير وثلاثةَ ملياراتِ برميلٍ من الوقودِ المحترق.

وفي سبيلِ تحسينِ حركةِ السّيرِ عبرَ التّشاركِ بالمركبات، كان لابدَّ من الاستفادةِ من تطبيقاتِ طلباتِ مركباتِ الأجرةِ الصّادرة عن شركاتٍ مثل Uber و Lyft مما سيقللُ عدد المركباتِ على الطّرق العامةِ إلى مقدار الثُّلث دون أن يتأثّر زمنُ الانتقالِ.

فبتوجيهٍ من البروفيسورة Daniela Rus، مديرَةُ مختبرِ الذّكاءِ الصُّنعيّ وعلومِ الحاسب في MIT، قامَ الباحثون بتطويرِ خوارزميّةٍ توصَّلوا من خلالها إلى أنّ ثلاثةَ آلافٍ من السّيّاراتِ المخصّصةِ لأربعةِ ركّابٍ تستطيعُ تخديمَ ما مِقدارهُ ثمانٍ و تسعونَ بالمئة 98% من طلباتِ سيّاراتِ الأجرة في مدينة نيويورك، و بمعدلِ انتظارٍ لا يتجاوزُ 2.7 دقيقة. فبدلاً من أن يتمَ نقلُ شخصٍ واحدٍ في كلِّ مرّةٍ، سيتمُّ نقل شخصَين إلى أربعةِ أشخاصٍ في ذاتِ الوقتِ،، ممّا يتيحُ للسّائقين إجراء رحلاتٍ أقلَّ، بوقتٍ أقصرَ مع تحقيقِ القدرِ ذاتهِ من الأرباح.

وتوصّلَ الفريقُ الباحثُ إلى إمكانيّةِ تلبيةِ ما مقدارهُ خمسٌ وتسعون بالمئة 95 % من الطّلبات عبرَ ألفي مركبة تتسع لعشرةِ أشخاصٍ، و ذلك بالمقارنة مع ما يقاربُ أربعةَ عشر ألفاً من مركباتِ الأجرة الّتي تعمل حاليّاً في مدينةِ نيويورك.

فمن خلالِ جمعِ بيانات ِ ثلاثةِ ملايين رحلةٍ لمركباتِ الأجرة، تعملُ الخوارزميّةُ الجديدة ُبالزّمنِ الحقيقيّ على إعادةِ توجيهِ المركباتِ اعتماداً على الطّلبات الواردة وإرسالِ المركباتِ الشّاغرةِ إلى أماكنَ تجمّعِ الطّلبات، حيثُ تستطيعُ هذه الخطوةُ تسريعَ إنجازِ الرّحلاتِ بمقدار 20 % .

تَجدرُ الإشارةُ هنا إلى أنَّها المرةُ الأولى الّتي يستطيعُ بها العلماءُ تحقيقَ مفاضلةٍ قائمةٍ على التّجربةِ بين عددِ المركبات، وطاقِتها الاستيعابية، وزمنِ الانتظار، واحتماليّةِ تأخير الرَّحلاتِ والتّكلفةِ النّاجمةِ عن ذلك لأنواع المركباتِ المختلفةِ. كما يتميّزُ النّظام المتّبع بتلاؤمهِ الكبيرِ مع آليّةِ المركباتِ ذاتيةِ القيادةِ ذلك أنَّه يستمر بإعادة توجيه المركبات لحظيّاً اعتماداً على طلباتِ الزّمنِ الحقيقيّ.

و قد أوضحَ الخبراءُ من خلالِ مقالٍ نُشِرَ من الأكاديميّةِ الوطنيةِ للعلوم في الولاياتِ المتّحدة الأمريكيّة مطلعَ الشهرِ الأولِ من عام 2017 ، بأنّهُ و على الرّغمِ من تداولِ فكرةِ تشاركِ المركبات منذ سنينَ عِدة، إلّا أنّ الخدماتِ المتميّزة الّتي أطلقتها شركاتٌ رائدةٌ في مجالِ بياناتِ الهواتف الذّكيّة مثل Uber وَ lyft في العامين الأخيرين هي من مهَّدَ الطريقَ بالفعل لأن تكون تقنيّة تشارك المركباتِ أمراً متاحاً وَأقلَّ كلفةً.

غيرَ أنَّ الطّرقَ المستخدمةَ حاليّاً لا زالت محدودةً في درجةِ تعقيدها، فبعضُ أنظمةِ تشاركِ المركباتِ تتطلبُ أن يكونَ المستخدمُ B مثلاً على طريقِ A، و أنْ تُقَّدم جميعُ الطّلباتِ قبلَ أن تستطيع رسمَ مسارِها.على النّقيضِ من ذلكَ، تسمحُ التّقنيّة ُالجديدةُ بأن تتقاطعَ الطلباتُ المُقدّمة مع عدةِ مركباتٍ، كما أنّها تستطيعُ أن تحللَ مجالاً واسعاً منَ الأنواعِ المختلفة للمركبات لإيجاد الوسيلةِ الأكثرَ تلاؤماً،فعلى سبيلِ المثال، تستطيعُ هذه الخوارزميّةُ أن تُحدِّدَ أنَّ الخيار الأمثلَ لمستخدمٍ ما هيُ الحافلةُ الصّغيرةُ المخصّصةُ لعشرةِ أشخاصٍ.

يعملُ النّظامُ أولاً على تشكيلِ مخطَّطٍ بيانيٍّ شاملٍ لجميعِ الطّلباتِ ولمختلفِ المَركبات، ثمَّ يقومُ بتشكيلِ مخطَّطٍ آخرَ لمجموعةِ الرّحلاتِ المُتاحةِ حيث يستخدمُ طريقةً تُدعى " البرمجةَ الخطيّةَ المتكاملةَ " للتّوصلِ إلى تعيينِ المركبةِ الأمثلِ لأداءِ رحلةٍ ما. و بعدَ أنْ يتمَّ تخصيصُ المركبات، تستطيعُ الخوارزميّةُ تحقيقَ التّوازنِ بينَ المركباتِ الشّاغرةِ بإرسالها إلى المناطقِ الأكثرَ كثافةً للطّلبات.

و مِن خلالِ التّحليلِ العميقِ لشبكةِ الطُّرقِ و استخلاص كلِّ التّفاصيلِ اللّازمة، تمكّن مطورو هذه الخوارزميّة من التّغلب على أحدِ أهمِّ التّحديات ألا وهوَ إيجادُ منظومةِ حلولٍ تعملُ بالزّمنِ الحقيقيّ وتأخذُ بعينِ الاعتبار آلافَ المركبات والطّلبات معاً. فلقد أكّد الباحثونَ أنّ هدفهم النّهائيُّ هو تحقيقُ ما يُدعى بـ "الخوارزميّة المُثلى دائماً"، ذلكَ أنَّ هذا النّظام يصبحُ أفضلَ مع زيادةِ استخدامهِ ليتحسَّن سريعاً مع مرورِ الوقتِ.

نستطيعُ القولَ ختاماً، أنّ تطبيقَ خدماتِ تَشاركِ المركبات - وفقاً للباحثين - سيكونُ لهُ بالغُ الأثرِ في مواجهة أهمِّ التّحديات على النّواحي المختلفة، إذ أنّه يأخذُ بعينِ الاعتبارِ عواملَ الازدحامِ، والتّلوث واستهلاك الطّاقة.

ليستمرَّ المطورون ببذلِ جُهدهم لجعلِ هذه الأنظمة أكثرَ فعاليّةً و موثوقيّةً، فهل تكون قابلةً للتّطبيقِ يوماً ما في بلادنا !

------------------------------------------------------------------------

المصدر:

هنا