التعليم واللغات > اللغويات

غموض اللغة ميزة أم مشكلة؟ لماذا تحتوي اللغات البشرية على كثير من المفردات ذات المعاني المتعددة؟

استمع على ساوندكلاود 🎧

لماذا تتطورُ اللغة؟ قد يكونُ الجوابُ بديهياً، فاللغةُ وسيلةٌ للتواصلِ وتبادلِ الخبراتِ بين الأفراد، لكنَّ علماءَ اللغةِ وطلابُ علمِ التواصلِ أخضعوا هذا البحثَ للنقاشِ فترةً طويلة. فالكثيرُ من علماءِ اللغةِ المعروفين، ومن ضمنهم نعوم تشومسكي الأستاذُ في معهدِ ماساتشوستس للتكنولوجيا، يرون أن اللغة في الواقع وسيطٌ ضعيفٌ للتواصل. فاستخدامُ اللغةِ بهذه الصورة، ليس إلا ناتجٌ ثانويٌّ لنظامٍ نشأ لأسبابٍ أُخرى -ربما لتنظيمِ أفكارنا الخاصة.

والدليلُ على ذلك كما يرى اللغويون هو الغموضُ في اللغة. ففي نظامٍ مخصصٍ لنقلِ المعلوماتِ بين المتحدثِ والمستمع، ستحظى -برأيهم- كلُّ كلمةٍ بمعنى واحدٍ فقط مبعدةً بذلك أيَّ فرصةٍ للّبسِ أو سوءِ الفهم. وفي هذا السياق، قامت مجموعةٌ من علماءِ الإدراكِ في معهدِ ماساتشوستس بقلبِ هذا الفكرةِ رأساً على عقب. إذ يرون في نظريتهم الجديدةِ أنّ غموضَ اللغةِ يزيدُ من كفاءتها، مفسحاً بذلك المجالَ لاستخدامِ أصواتٍ قصيرةٍ فعالةٍ تُمّكنُ المستمعين إزالةَ الغموضِ منها بمساعدةِ السياق.

ويقولُ تيد غيبسون، بروفسور العلومِ المعرفيةِ في معهدِ ماساتشوستس للتكنولوجيا وكبيرُ فريقِ البحثِ الذي سينشرُ في مجلةِ الإدراك: يرى كثيرون أنّ الغموضَ مشكلةٌ في التواصل، ولكنّ الحقيقةَ أنّ السياقَ يُزيلُ الغموضَ تاركاً انعكاساتٍ هامةً لإعادةِ استخدامِ الصيغِ التي من الممكنِ أن تكون غامضة. فالغموضُ لم يعُد مشكلةً، بل شيئاً يمكنُ الاستفادةُ منه، فبإمكانك إعادةُ استخدامِ الكلماتِ السهلةِ في سياقاتٍ مختلفةٍ مرارًا وتكرارا"

ما المقصود أو ‘المعنى‘ ؟

وكمثالِ ساخرٍ على غموضِ اللغة، لنأخذ بعينِ الاعتبارِ كلمة "mean". قد تعني هذه الكلمةُ، الإشارةَ إلى أو الدلالةَ على شيءٍ معين، ولكنها قد تُشيرُ أيضاً إلى النيةِ أو الهدفِ كما هو الحالُ في جملةِ (I meant to go to the store) (كنت أنوي الذهاب إلى المتجر)؛ أو قد تدلّ على أمرٍ كريهٍ أو عدواني، أو المعدلِ الرياضي لمجموعةٍ من الأرقام. كما أنّ إضافةَ ‘s‘ الجمع تُقدّمُ معانيَ جديدةً محتملة؛ فربما تعني:

أداة ً أو طريقةً كما هو الحالُ في جملة ) A means to an end) (وسيلةٌ لتحقيق غاية) أو قد تعني مصادرَ الرزقِ كما في جملة ( to live within one's means ) ( أن تنفقَ بشكلٍ متناسبٍ مع دخلك).

ولكن عملياً، لا يلتبسُ استخدامُ أي من هذه المعاني لكلمة "mean" على أي متحدثٍ للغةِ الإنكليزية، ذلك أن معانيَ الكلمةِ المختلفة، تأتي في سياقاتٍ مختلفةٍ جدّا بحيث تسمحُ للمستمعِ استنتاجَ معناها بشكلٍ شبهِ تلقائي.

وإذا أخذنا بعينِ الاعتبارِ قوةَ السياقِ في إزالةِ الغموض، فإنّ الباحثين يفترضون أنّ اللغاتِ قد تستغلُ الغموضَ لإعادةِ استخدامِ الكلماتِ والتي غالباً ما تكونُ الكلماتِ الأسهلَ لنظم المعالجةِ اللغوية. وبناءً على الملاحظةِ والدراساتِ السابقة، فإنهم يفترضون وجودَ معانٍ أكثرَ للكلماتِ الأسهلِ لفظاً والتي تحوي عددَ مقاطعٍ صوتية أقل وتكرار أعلى.

ولاختبارِ هذا التكهنِ، بدأ الباحثون بدراساتٍ تعتمدُ على الذخيرةِ اللغويةِ للّغاتِ الإنكليزية والهولندية والألمانية. وبمقارنةِ خواصَّ معينةً للكلماتِ مع عددِ معانيها، تأكّدت شكوكُ الباحثين بأنّ الكلماتِ الأقصرَ والأكثرَ تكراراً كما تلك التي تتفقُ مع الأنماطِ الصوتيةِ النموذجيةِ للغةِ تميلُ غالباً لأن تكونَ غامضةً وقد ظهرَ هذا الميلُ بشكلٍ كبيرٍ في الإحصائياتِ ضمنَ اللغاتِ الثلاث.

ولفهمِ الأسبابِ التي تجعلُ من اللغةِ أكثرَ فعاليةً بوجودِ الغموضِ من عدمه، لنفكر بالرغباتٍ التي يتجادلُ عليها كلٌّ من المتحدثِ والمستمع. فالمتحدثُ مهتمٌ بنقلِ أكبرَ قدرٍ من المعلوماتِ بأقلِّ عددٍ من الكلماتِ بينما يهدفُ المستمعُ إلى الحصولِ على فهمٍ كاملٍ ودقيقٍ لما يقوله المتحدث. ولكن كما يصفها الباحثون، إنه من "الأسهلِ إدراكياً" أن ننتظرَ المستمعَ ليستنتجَ المعاني من السياقِ من أن يقضيَ المتحدثُ وقتاً أطولَ للتحدثِ مستخدماً كلاماً أكثرَ تعقيدًا. ونتيجةً لذلك نحصلُ على نظامٍ يميلُ إلى الغموضِ وإعادة استخدامِ الكلماتِ الأسهل. وعند أخذِ السياقِ بعينِ الاعتبار، فمن الواضحِ أنّ " الغموضَ في الواقعِ شيءٌ نحتاجُه في نظامِ التواصل" يقول بيانتادوسي أحد الباحثين المشاركين.

" وبما أن اللغاتِ تتطورُ باستمرار قد تتصورُ أنّها ستتطورُ لتتخلصَ من الغموض" يقول توم واسو أستاذُ اللغوياتِ والفلسفةِ في جامعة ستانفورد، "ولكن إذا ما نظرتَ إلى اللغاتِ الطبيعيةِ، فإنها غامضةٌ بشكلٍ كبير، فالكلماتُ لها أكثرُ من معنى، كما هناك طرقٌ شتّى لإعرابِ سلاسلِ المفردات... وتقدّمُ هذه الدراسةُ حجّةً قويةً لدعمِ الأسبابِ التي تجعلُ من هذا النوعِ من الغموضِ عنصراً فعّالاً لأهدافِ التواصلِ أكثرَ من كونه عقبةً في طريقها."

الأفاقُ التي تكشفُها علومِ الحاسوب:

تعكسُ الطبيعةُ الإحصائيةُ لهذا البحثِ ميلاً جديداً في حقلِ علومِ اللغويات والتي تعتمدُ بشكلٍ متزايدٍ على نظريةِ المعلوماتِ والمناهجِ الكمية.

" إنّ هيمنةَ علومِ الحاسوبِ في علومِ اللغويات كبيرةٌ جداً الآن" كما يقول غيبسون، مضيفاً أن معالجةَ اللغةِ الطبيعية (natural language processing NLP) تشكلُ هدفاً أساسياً لأولئك الذين يعملون في نقطةِ تقاطعِ هذين الحقلين.

ويُشيرُ بيانتادوسي إلى أن الغموضَ في اللغةِ الطبيعيةِ يطرحُ تحدياتٍ كبيرةً لمطوري نظمِ معالجةِ اللغةِ الطبيعية. فيقول: "إن الغموضَ أمرٌ جيدٌ لنا -البشرَ- لأننا نمتلكُ آلياتٍ إدراكيةً معقدة.ولكنه من الصعبِ بمكان اكتشافُ تفاصيلِ هذه الآليات، أو حتى اكتشافِ شكلٍ قريبٍ يُمكّن الحاسوبَ من استخدامه."

ولكن كما يقولُ غيبسون فإن علماءَ الحاسوبِ على وعيٍ تامٍّ لهذه المشكلة. وتقدّمُ هذه الدراسةُ الجديدةُ تفسيراً نظرياً وتطورياً أفضلَ عن أسبابِ الغموضِ في اللغة، ولكنّ البحثَ ذاتَه يُجملُ الرسالة التالية: "بشكلٍ عام، إذا كنت تتكلمُ أو تفهمُ أي لغةٍ بشرية، فإنك مقيّدٌ بحاجتك لسياقٍ يُزيل الغموض"

المصدر:

هنا