الاقتصاد والعلوم الإدارية > اقتصاد

الاقتصاد الكلي ومدارسه وارتباطه بالاقتصاد الجزئي

استمع على ساوندكلاود 🎧

الاقتصاد الكلي: مقدمة تاريخية

يتعلق علم الاقتصاد عموماً بدراسة كيفية استخدام الوكلاء الاقتصاديين (أشخاص، شركات، دول) للموارد النادرة من أجل إشباع حاجات غير نهائية. أما الاقتصاد الكلي فهو الجزء من الاقتصاد الذي يعنى بأنظمة السوق التي تعمل على نطاق واسع. في حين يركز الاقتصاد الجزئي أكثر على الخيارات التي يقوم بها الأفراد الفاعلون في الاقتصاد (المستهلكون الأفراد أو الشركات على سبيل المثال)، يتعامل الاقتصاد الكلي مع أداء، هيكل وسلوك الاقتصاد بأكمله. عندما يتحدث المستثمرون عن الاقتصاد الكلي فإنهم يتناقشون فعلياً بالقرارات المتعلقة بالسياسة المتبعة، مثل رفع أو خفض الفوائد، أو تغيير معدلات الضرائب.

تتضمن بعض الأسئلة الرئيسية التي يتعامل معها الاقتصاد الكلي ما يلي: ما الذي يسبّب البطالة؟ ما الذي يسبّب التضخم؟ ما الذي يخلق أو يحفّز النّمو الاقتصادي؟ فالاقتصاد الكلي يهدف إلى قياس جودة الأداء الاقتصادي، وفهم كيفية عمله وكيف يمكن تحسين الأداء. مصطلح "الاقتصاد الكلي" ليس قديماً جداً (يعود إلى Ragnar Frisch في عام 1933) إلا أنّ العديد من المفاهيم الأساسية المتعلقة بالاقتصاد الكلي كانت محط تركيز الكثير من الدراسات لوقت أطول. حازت مواضيع مثل البطالة، والأسعار، والنمو والتجارة على اهتمام الاقتصاديين منذ بداية نشوء الفكر الاقتصادي، إلا أنّ تلك الدراسات أصبحت أكثر تركيزاً وتخصصاً خلال التسعينات وفي بداية القرن العشرين.

كذلك، من الصعب تحديد مؤسس دراسات الاقتصاد الكلي. عادةً ما يُعزى الفضل إلى John Maynard Keynes فيما يخص النظريات الأولى في علم الاقتصاد، والتي وصفت ونمذجت سلوك الاقتصاد، كما تعرّض بعض الاقتصاديين بشكل واضح في أعمالهم أمثال Adam Smith و John Stuart Mill والذين يعدّون أكثر قدماً إلى قضايا تعدّ اليوم ضمن مجال الاقتصاد الكلي. على الرغم من أنّ أفكار الاقتصاد الكلي مثل نظرية الألعاب تعدّ هامة بشكل واضح اليوم، وأنّ عملية اتخاذ القرار من قبل الوكلاء الفرديين مثل الشركات لازالت مجال دراسة مهم، إلا أنّه يمكن القول جدلاً أنّ الاقتصاد الكلي أصبح يمثل الجانب المهيمن من ناحية التركيز عليه في الاقتصاد، على الأقل من حيث أنّه يتعلق بعملية الاستثمار والأسواق المالية.

الاقتصاد الكلي: المدراس الفكرية

ينقسم مجال الاقتصاد الكلي إلى عدة مدارس فكرية مختلفة، وتختلف وجهات نظر تلك المدارس حول كيفية عمل الأسواق والمشاركين بها.

المدرسة الكلاسيكية (Classical)

يفترض الاقتصاديون الكلاسيكيون أن الأسعار، والأجور ومعدلات الفائدة مرنة، وأنّ الأسواق متوازنة بشكل دائم. بافتراض عدم وجود البطالة، يتوقف النمو على العرض من عوامل الإنتاج.

المدرسة الكينزية (Keynesian)

بُني الاقتصاد الكينزي بشكل أساسي على أعمال John Maynard Keynes. يركّز الكينزيون على الطلب الكلي بصفته العامل الأساسي في قضايا مثل البطالة ودورة الأعمال التي يعتقد الاقتصاديون الكينزيون أنّه يمكن التحكم بها وإدارتها عن طريق تدخّل الحكومة الفعّال عبر السياسة المالية (زيادة الإنفاق خلال الركود لتحفيز الطلب)، والسياسة النقدية (تخفيض معدلات الفائدة لتحفيز الطلب). كما يعتقد الاقتصاديون الكينزيون أيضاً أنّ هناك نوع من الجمود في النظام، بشكل أكثر تحديداً ما يسمى "Sticky wages"، وهي نظرية تفسر الحالة التي تقاوم فيها الأجور التغيرات الاقتصادية. بمعنى آخر، عندما ترتفع البطالة، فإنّ أجور العمال الباقين في أعمالهم تميل لأن تبقى كما هي، أو تنمو بمعدّل أبطأ من قبل بدلاً من أن تنخفض مع انخفاض الطلب على العمالة (وهذا الأمر ينطبق على الكساد الكبير). إنّ جموداً كهذا في النظام سيعيق تحقيق التوازن بين الطلب والعرض.

النقديّون (Monetarist)

تقوم المدرسة النقدية على أعمال "ميلتون فريدمان". يعتقد الاقتصاديون النقديون أنّ دور الحكومة هو التحكم بالتضخم من خلال التحكم بعرض النقود. يعتقد النقديون أنّ السوق عادةً متوازن، وأنّ المشاركين لديهم توقعات عقلانية. يرفض النقديون فكرة الكينزيين أنّ الحكومة تستطيع "إدارة" الطلب، ويعتبرون أنّ المحاولات الموجّهة للقيام بهذا الأمر ستؤدي إلى عدم الاستقرار وستقود غالباً إلى التضخم.

المدرسة الكينزية الجديدة (New Keynesian)

تسعى المدرسة الكينزية الجديدة إلى إضافة أسس الاقتصاد الجزئي إلى النظريات الاقتصادية الكينزية. في حين أنّ الكينزيين الجدد يقبلون أنّ الأسر والشركات تعمل على أساس التوقعات العقلانية، إلا أنهم يؤكدون على وجود العديد من حالات الفشل في السوق، بما فيها حالة "Sticky wages" بالنسبة للأسعار والأجور أيضاً. نتيجة وجود حالات كهذه، يمكن للحكومة أن تتدخل لتحسّن الظروف الاقتصادية الكلية، وذلك من خلال السياسة النقدية والمالية.

المدرسة النيوكلاسيكية (Neoclassical)

يفترض الاقتصاديون النيوكلاسيكيون أنّه لدى الأشخاص توقعات عقلانية، وأنّهم يسعون إلى تعظيم منفعتهم. تفترض هذه المدرسة أنّ الأشخاص يتصرفون بشكل مستقل بناء على المعلومات التي يستطيعون الحصول عليها. تعود فكرة الحدّية وتعظيم المنفعة الحدّية إلى المدرسة النيوكلاسيكية، إضافة إلى فكرة أنّ الوكلاء الاقتصاديين يتصرفون على أساس التوقعات العقلانية. بما أنّ الاقتصاديين النيوكلاسيكيين يعتقدون أنّ السوق دائماً في حالة توازن، يركز الاقتصاد الكلي على نمو عوامل العرض وأثر عرض النقود على مستويات الأسعار.

المدرسة الكلاسيكية الجديدة (New Classical)

بنيت المدرسة الكلاسيكية الجديدة بشكل أساسي على المدرسة النيوكلاسيكية. تركّز المدرسة الكلاسيكية الجديدة على أهمية الاقتصاد الجزئي والنماذج المبنية على السلوكيات المرتبطة به. يفترض الاقتصاديون الكلاسيكيون الجدد أنّ جميع الوكلاء يحاولون تعظيم منفعتهم وأنّه لديهم توقعات عقلانية. كما أنهم يعتقدون أيضاً أنّ السوق متوازن في جميع الأوقات. يعتقد الاقتصاديون الكلاسيكيون الجدد أنّ البطالة هي طوعية إلى حدٍّ كبير، وأنّ السياسة المالية الاختيارية تسبب عدم استقرار، في حين أنّ التضخم يمكن التحكم به من خلال السياسة النقدية.

المدرسة النمساوية (Austrian)

المدرسة النمساوية هي مدرسة اقتصادية أكثر قدماً ولكنها شهدت زيادة في شعبيتها. يعتقد اقتصاديو المدرسة النمساوية أنّ السلوك الإنساني هو فردي بشكل كبير بحيث لا يمكن نمذجته رياضياً بدقة، وأنّه من الأفضل أن يكون تدخل الحكومة أقل ما يمكن. ساهمت المدرسة النمساوية بالكثير من النظريات المفيدة والتفسيرات المتعلقة بدورة الأعمال، تضمينات كثافة رأس المال، أهمية تكلفة الوقت والفرصة في تحديد الاستهلاك والقيمة.

الاقتصاد الكلي: الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد الجزئي

على الرغم من وجود تعاريف واضحة نسبياً تفصل ما بين الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي، إلا أنّه -في الواقع- كلا القسمين يعتمدان بشكل كبير على عدد من المفاهيم الأساسية المشتركة، ويستند كل منهما على حقيقة وجود حاجات لا نهائية مقابل موارد محدودة لتلبية تلك الحاجات. يرى الاقتصاد أنّ تعظيم الرفاهية هدف رئيسي لجميع المساعي الاقتصادية، ويمكن تعريف الرفاهية عموماً بأنها التمتّع الأقصى بالموارد مقابل الحد الأدنى من الجهد (العمل والعمالة ورأس المال).

يتم قياس الرفاهية جزئياً من خلال فوائض المستهلك والمنتج، ويتم احتساب فائض المستهلك من الفرق بين السعر الذي يكون المستهلك مستعداً لدفعه والسعر الفعلي، في حين يمثل فائض المنتج الفرق بين سعر البيع والسعر الذي كان من الممكن أن يقبل به المنتج. تعدّ الندرة والاختيار من العوامل الأساسية في الاقتصاد الكلي، والندرة لا تعني تماماً ما يعنيه النّقص، بل تعني وجود طلب على سلعة أو خدمة معينة مقابل كمية محدودة من الموارد. بمعنى آخر، يوجد فائض طلب عند السعر صفر، وبالتالي فإنّ سعر التوازن سيكون دائماً أعلى من الصفر.

بالمقارنة، النقص هو الحالة التي يتجاوز فيها الطلبُ العرضَ، مع وجود عوائق تمنع ارتفاع السعر بما فيه الكفاية لإلغاء الطلب الإضافي. على سبيل المثال، قد تتأخر شاحنات إمداد متجر ما ويكون المتجر غير راغب أو غير قادر بحكم القانون على رفع الأسعار. في هذه الحالة، سيكون هناك نقص مؤقّت في البضائع. أما النّدرة، فهي قوة دافعة في الاقتصاد، حيث أنّه يوجد نوع من الصّعوبة في تخصيص السلع والخدمات؛ التي تكون إما غير محدودة أو غير ذات قيمة.

تعدّ المنفعة الحدّيّة (الهامشيّة) أيضاً مفهوماً بالغ الأهمية في الاقتصاد الكلي، حيث تشير الحدّيّة إلى أثر تغيّر صغير في أي متغير على الوحدة الواحدة، وإلى عملية المراجحة بين التكاليف والمنافع التي ترتبط بشكل مباشر بقرار معيّن. على سبيل المثال، من المنطقي بالنسبة للوكيل الاقتصادي أن يتصرّف فقط في حال تجاوزت المنفعة الحدّية التكلفة الحدّية.

المصادر

هنا

هنا

هنا