التاريخ وعلم الآثار > التاريخ

مملكة ميتاني المنسية... إحدى القوى العظمى في الشرق الأدنى القديم

يجولُ في مخيلتنا عندما نُطلق تعبير المملكة المنسية على حضارةٍ قديمةٍ ما فإنها يجب أن تكون مملكة ميتاني، فهي ليست سوى اسم وبعضٍ من الافتراضات اللغوية والآثارية. ولكن بجمع معلوماتٍ عدة يؤكد بعضها بعضاً يمكننا القول وبثقةِ كبيرة بأننا لسنا بعيدين كل البعد عن حقيقة ميتاني التاريخية. معلومات وأحداث مفصلة تجدونها في هذا المقال فتابعونا...

عُرفت المملكة لدى السكان المحليين والآشوريين بالهانيجالبات (Hanigalbat) وميتاني بالنسبة للمصريين. امتدت من شمال العراق وصولاُ إلى سوريا وتركيا كدولةٍ عظيمةُ الشأن. لازال هناك بعضٌ من سجلات السكان عنها إلا أن أهم ما تبقى عن المملكة كان مراسلات بين الملوك الميتانيين وملوك آشوريين ومصريين بالإضافة إلى أقدم كُتيب لتدريب الخيل في العالم. شكّل كل ذلك الأدلة على وجود مملكةٍ ثريةٍ ازدهرت في الفترة مابين (1500و1240ق.م ). كانت مملكة ميتاني قوية بما يكفي عام 1350 ق.م، لتُصنف ضمن ممالك "نادي القوى العظمى"* بما فيها مصر ومملكة الحثيين والبابليين والآشوريين.

حكم الميتانيون المنطقة الواقعة شمال نهري دجلة والفرات بين عامي 1475 و 1275 قبل الميلاد. رغم أن ملوك الميتانيين كانوا من أصول هندوإيرانية إلا أنهم استخدموا لغة السكان المحليين والتي لم تكن حينها لغةً هندوإيرانية بل كانت اللغة الحورية (يُشار إلى المنطقة أحياناً بأرض الحوريين). كتبت عنهم المؤرخة غواندلن لييك: "كان سكان مملكة ميتاني في الغالب حوريين إلا أن النخبة الحاكمة كانت محاربين من أصول هندوأوربية أطلقوا على أنفسهم الماريانو (Mariannu) وقد عبدوا آلهة بأسماء ڤيدية كإندرا وأُروانا ومجموعة ديڤا وكما تظهر أسماء أبناءهم أن هذه النخبة قد تزاوجت من السكان المحليين".

كانت عاصمة الميتانيين تدعى واشوكاني (Washukanni) والتي تقع على منابع الخابور وهو أحد روافد نهر الفرات. الاسم قريب من الكلمة باشكاني الكردية 'bashkani' والتي تقسم إلى قسمين باش وتعني الخير أو الثروة وكاني وتعني منبع أو مورد حيث تُترجم معاً لتعني مورد الثروة. يعتقد بعض المؤرخين أن المدينة التاريخية سيكاني قد بُنيت في موقع واشوكاني وقد تكون آثارها ما تزال مدفونة تحت تل الفخارية قرب تل حلف (غوزانا Gozan) شمال سوريا.

الشكل (1): خريطة توضيحية لممالك المنطقة بما فيها ميتاني.

مملكة ميتاني العظمى تجلت في أمور عدة فقد تحكمت المملكة في ذروة قوتها بطرق التجارة أسفل الخابور وصولاً لماري وأعلى الفرات وصولاً لكركميش Carchemish (جرابلس)، كما تحكموا بمنطقة أعلى نهر دجلة ومنابعه في نينوى. كان الميتانيون حلفاء لكل من مملكة كيزواتنا (Kizuwatna) جنوب شرق الأناضول ومملكة موكيش (Mukish) الممتدة بين أوغاريت وقطنا (تل المشرفة) غرب نهر العاصي حتى البحر الأبيض المتوسط بالإضافة إلى مملكة نيّا (Niya) والتي حكمت الضفة الشرقية لنهر العاصي من ألالاخ وصولاً لحلب وحماه وإيبلا حتى قطنا وقادش. كما كان الميتانيون على علاقة طيبة بالكيشيين شمال العراق.

سمحت طبيعة الأراضي التي حكمتها مملكة ميتاني بازدهار الزراعة برغم عدم وجود نظام ري صناعي حينها وقاموا بتربية الحيوانات خاصة الخيول حيث اشتهر الميتانيون كخيالة مَهَرَة وقادة عربات حربية فقد سُجل أنهم أول من اخترع العربة الحربية الخفيفة التي تعمل بعجلات ذات مكابح عوضاً عن العجلات الخشبية الصلبة كالتي استخدمها السومريون حيث كانت العربة الميتانية أسرع وأسهل أثناء المناورة.

كشفت أعمال تنقيب في السجلات الحثيية لهاتوشا (Hattusa) القريبة من بوغاز كوي (Boğazkale) في تركيا حالياً عن أقدم كُتيب لتدريب الخيول في العالم الذي كتبه مدرب الخيول الميتاني كيكولي (Kikkuli) عام 1345 ق.م في أربعة ألواح تحتوي على 1080 سطراً وقد استهلها بالعبارة التالية: "هكذا تكلم كيكولي سيد مدربي الخيل في أرض ميتاني" حيث استفاض فيه بشرح طرق تدريب الخيل الصحيحة.

وفي حكايات النزاع مع مصر نجد أن الميتانيين سيطروا بقيادة الملك باراتارنا (Parattarna) على حلب ذات الأهمية الجغرافية بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الفرات وذلك في نهاية القرن السادس عشر قبل الميلاد الأمر الذي أثار حفيظة قوة عظمى أُخرى آنذاك وهي الفراعنة في مصر وخاصة الفرعون تحتمس الثالث الذي أراد السيطرة على تلك المنطقة.

شارك الميتانيون في معركة مجدو Megiddo (تل مجدو في فلسطين اليوم) الشهيرة حيث وقفوا إلى جانب ملك قادش الذي هُزم على يد المصريين بقيادة تحتمس الثالث وذلك حول منتضف القرن الخامس عشر ومن المحتمل في سنة 1457 ق.م.

الشكل (2): رسم تخيلي لمعركة مجدو.

ساعد نصر تحتمس في معركة مجدو المصريين على مهاجمة المنطقة الغربية لميتاني حيث بنوا سفناً على الفرات وخربوا عدة مدن تحت حكم الميتانيين في المناطق الواقعة على ضفاف النهر من كركميش (جرابلس) إلى إيمار (مسكنة). رغم أن توسع الميتانيين في سوريا كان مقيداً حينها إلا أن المصريين أيضاً لم يتمكنوا من السيطرة على الداخل السوري ولم تنتهِ حملتهم بسيطرة دائمة للمنطقة، بينما كان الميناتيون يتوسعون في الشرق في ذلك الوقت.

امّا بالنسبة للتحالف بين شاوشتاتار (Shaushtatar) وتحتمس الرابع ففي نهاية القرن الخامس عشر قبل الميلاد سلب شاوشتاتار Shaushtatar العاصمة الآشورية آشور وأذل أهلها بأن أرسل أبواب معبد المدينة المشهور إلى عاصمة الميتانيين واشوكاني. بعد هذا الحدث ببرهة قصيرة تطورت أواصر الصداقة بين الميتانيين ومصر وبالتحديد بين الملك الميتاني أرتاتاما الأول (Artatama I ) الذي خلف شاوشتاتار والفرعون المصري تحتمس الرابع (حفيد تحتمس الثالث).

الشكل (3): تمثال تحتمس الرابع في متحف اللوفر.

كانت ميتاني في منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد في أوج قوتها وبأفضل العلاقات الودية مع مصر والتي يمكن رؤيتها من خلال رسائل تل العمارنة من الملك الميتاني إلى الفرعون المصري. على سبيل المثال، زوّج الملك الميتاني توشراتا (Tushratta) ابنته تادوخيبا أو باللغة الحورانية تادو-هِبا ( Tadu-Heba) للفرعون أمنحوتب الثالث وبعد وفاته تزوجت ابنه أمنحوتب الرابع المعروف بأخناتون وهناك بعض التكهنات في هذا الصدد تدعي أن نفرتيتي و تادو-هِبا هي امرأة واحدة.

الشكل (4): رُقيم مِسماري لرسالة توشراتا لأمنحوتب الثالث.

رُسمت حدود مناطق النفوذ بين المملكتين بموجب هذا الزواج ومكنت الملك الميتاني أرتاتاما الأول من إحكام قبضته على شمال سوريا، مع احتمالات ضئيلة بوجود مخاطر من الحثيين. فقد كان تطلع كلا المملكتين الميتانية والحثية إلى بسط نفوذهما على المناطق ذاتها جعلهما في صدام دائم مدمر. ولسوء حظ الميتانيين دخلت الأسرة الحاكمة في صراعات على السلطة ورأى الملك الحثي سوبيلولييوما الأول (Suppiluliuma I) الظروف مواتية لاستغلالها فتوجه إلى عاصمة الميتانيين لاحتلالها. كلف الحثييون التدمير النهائي للميتانيين اثني عشر عاماً من المعارك. وحلت نهاية الميتانيين بغزو الحثيين لكركميش آخر معقل حصين للميتانيين وباغتيال توشراتا على يد أحد أبنائه.

نسهبُ في الحديث المفصل عن الممكلة المنسية لنصل إلى الغزو الآشوري لمملكة ميتاني الذي اتضح عندما قسم الملك الحثي سوبيلولييوما الأول (Suppiluliuma I) المملكة السابقة إلى مقاطعتين بعاصمتيها حلب وكركميش وما تبقى من المنطقة بقي دولة تابعة ذات حكم ذاتي تدعى هانيجالبات، أدت هذه التداعيات لتحرك واجتياح الآشوريين الذين كانوا خاضعين لسيطرة الميتانيين في ذلك الوقت لما تبقى من المملكة الميتانية، فالمنطقة التي كانت يوماً ميتاني أصبحت تحت سيطرة الامبراطورية الآشورية. ليس واضحاً بعد متى حدث ذلك بالضبط ولكن يمكننا القول خلال حكم الملك الحثي مورسيلي الثاني (1321و1295 ق.م) وحتماً قبل حُكم توداليا الرابع ومعركة نيهاريا (Nihriya) عام 1245 ق.م (المعركة التي تُعد بداية سقوط الإمبرطورية الحثيية). وهكذا تخلى آخر ملوك الحثيين عن أي ادعاء بحقوق لهم على ما تبقى مما كانت في يوم من الأيام الامبراطورية الميتانية العظمى.

ترك الملك الآشوري أداد نيراري الأول Adad-Nirari I (1307-1275 ق.م) مخطوطات تتحدث عن الملك الحثي المغرور شاتوارا الأول (I Shattuara) الذي تحدى عظمته فقام أداد نيراري الأول بالهجوم على ميتاني وحطم جيشوهم بمعركة واحدة وساق شاتوارا الأول إلى آشور مكبلاً بالسلاسل حيث أُجبره أن يقسم بالولاء للحاكم الآشوري. وبذلك وبالرغم أنها ماتزال تحت حكم ذاتي إلا أنها كانت تدين بالولاء ودفع الضرائب للآشوريين ولم تعد تلك القوة النظيرة للدول الأُخرى في المنطقة.

كما تتحدث السجلات الآشورية القديمة عن حكم الملك شلمنصر الأول ( Shalmaneser I) الذي حكم بين سبعينيات وأربعينيات القرن الثالث عشر قبل الميلاد حيث ثار ضده الملك الميتاني شاتوارا الثاني بمساندة من قبيلة الرُحل المعروفة باسم أهلامو (Ahlamu) حوالي سنة 1250 ق.م . كانت جيوش شاتوارا منظمة ومجهزة بشكل كامل وقد سيطرت على كافة الممرات الجبلية وموارد المياه التي قطعتها عن جيش الآشوريين بنجاح وأعاقت محاولاتهم للإمداد بالطعام ورغم ذلك كله استطاع جيش الآشوريون الجائع والعطِش تحقيق نصرٍ مُدمرٍ على جيش شاتوارا الثاني. يدّعي شلمنصر الأول في السجلات بأنه ذبح 14.400 رجلاً وأعمى الباقين ورماهم بعيداً. كما يروي شلمنصر الأول في مخطوطاته عن غزوه لتسعة معابد محصنة وتحويل 180 مدينة حورية إلى كومة من أنقاض وكيف نحر جيوش الحثيين وحلفائهم الأهلامو كالنعاج. سيطر الآشوريون على جميع المدن الممتدة من تايدو (Taidu) إلى إريدو (Irridu) والتي تشكل اليوم شمال العراق وسوريا بالإضافة إلى أسفل منطقة جبل كاشياري (Mount Kashiyari) بما فيها مدينة الوهات (Eluhat) والتي كانت تقع جنوب شرق تركيا حالياً. بيِعَ عدد كبير من سكان ميتاني كعبيد وتم ترحيلهم وبذلك صُهرت ميتاني في بوتقة الإمبراطورية الآشورية كليا ونسيها التاريخ شيئاً فشياً.

نهايةً لما أسلفنا لم يُعاد بناء ميتاني ثانيةً وكان المستقبل للحثيين والمصريين في المنطقة ومن بعدهم الآشوريين أما نحن اليوم فنوَد أن نعرف أكثر فأكثر عن ميتاني ومن يدري يوماً ما قد تعثر البعثات الأثرية خلال تنقيباتها على واشوكاني.

الحاشية:

* تعبير يطلقه المؤرخون على ممالك الشرق الأدنى القديم.

المصادر:

هنا

هنا

هنا