الفلسفة وعلم الاجتماع > الفلسفة السياسية

الإطار السياسيّ والاجتماعيّ للآداب السلطانيّة في العصر العباسيّ (الجزء الأول)

استمع على ساوندكلاود 🎧

لا تنفصل دراسة الأدب عن الإطار التاريخيّ والسياسيّ اللذين يولد فيهما؛ إذ إنه يأتي للتعبير عن المجتمع وأخلاقه وذوقه ونظم تعاملاته الاجتماعيّة وترتيبِها الطبقيّ السياسيّ، ويعكسُها بُغْيَة تبريرِها أو التمرُّد عليها، وفي الحالتين يكون وليدَ مجتمع ما في إطارَيْه الزمانيّ والمكانيّ، مع ما يتضمّنه هذان الإطاران من أحداثٍ وظواهرَ اجتماعيّةٍ وسياسيّة.

كما أنّ المُناخ السياسيّ للمجتمع يؤثّر في الموضوع الذي يعالجه الأدب، وفي الطابَعِ الذي يتّسم به. فحينما نتحدث عن الأدب في عصر معيّن، فإنّ هذا العصرَ هو الإطارُ المرجعيّ الذي يحدّد معالم ذلك الأدبِ ومحتواه، وهو ما تلخّصه العبارة التالية: «الأدبُ مرآة المجتمع والعصر».

ومن هذه المقدمة، فإنّ الحديث عن سمات الأدب في العصر العباسيّ، ينطوي على الأهمية البارزة لتحديد ماهيّة المُناخ السياسيِّ والاجتماعيِّ الذي أثّر في بَلْورة طابَع الإنتاج الأدبيِّ في ذلك العصر، لا سيّما ما يُطلَق عليه (الآدابُ السلطانيّة). مع الإشارة إلى أنّ مقاصدَ المقالة هي تلك التي يتقصّاها الباحثُ في الفكر السياسيّ عند قراءته للأدب؛ كيف عَبّر الأدبُ عن العلاقة بين (الحاكم) و(المحكوم)، وكيف عكس هذه العلاقة، على مستوى اللغة، وعلى مستوى الخطاب والأسلوب؟ ومن جهة أخرى: هل كانت هناك حاجةٌ سياسيّةٌ لذُيوع نمط معيّن من الأدب؟ مع افتراض أنّ لكل ظاهرة أدبيّة أو اجتماعيّة مضمونَها السياسيَّ المخفيَّ أو المعلَن، وأنّ السياسة ليست إدارةَ الشؤون العامة فقط، بل هي «موجودةٌ أيضًا في كلّ نشاط اجتماعيّ، وفي محور الوجود الإنسانيّ»[1].

ومع دراسة الأدب في العصر العباسيّ، نستذكر أنه مع انتصار الثورة العباسيّة على الحكم الأُمويّ، وبدايةِ العصر العباسيّ؛ شهدت الثقافةُ العربيّة انفتاحًا على ثقافات الفرس والروم ومؤلَّفات الفلسفة الإغريقيّة، وهذا الانفتاحُ يعود بالدرجة الأولى إلى تركيبة القُوى الاجتماعيّة المتنوّعة التي شاركت في تقويض أركان الدولة الأُمويّة، التركيبةِ التي يسمّيها محمد عابد الجابريّ، الباحثُ العربيُّ في قضايا الفكر العربيِّ المعاصر: (الكتلةَ التاريخيّة)، والتي يُعرّفها بأنّها «لا تعني فقط تجمّع قُوًى اجتماعيّةٍ مختلفة أو تكتُّلِها، ولا مجرّدَ تحالُفِها، بل تعني كذلك الْتحامَ القُوى الفكريّةِ المختلفة (الأيديولوجيّات) مع هذه القُوى الاجتماعيّة...»[2]. ما يعني أنّ هذه القُوى (من عربٍ، وموالي، وفرسٍ، وفلّاحينَ، وحِرْفيّينَ، وتجّارٍ، وأغنياءَ، وفقراء) كانت لها تأثيراتٌ ليست على الترتيب الطبقيِّ الاجتماعيِّ في الدولة العباسيّة فقط، بل أيضًا على البنْيةِ المعرفيّة والفكريّة للمجتمع، كما أنها أثّرت في ذُيوع نمط الآداب السلطانيّة، المنقولِ عن الثقافة الفارسيّة. ويتلخّص مفهومُ الآداب السلطانيّة في أنها نمطٌ من الأدب النثريّ، موضوعُه: التدبيرُ السياسيُّ لشؤون الحكم، وأسلوبُه: نصائحُ مقدَّمةٌ إلى الملوك والأمراء، وهدفُه: تبيينُ العلاقة بين الحاكم والمحكوم، على ضوء تلك النصائح.

وتجدر الإشارةُ إلى أنّ الأدب السلطانيَّ بطبيعته أدبٌ تبريريٌّ يسوِّغ المركزَ المتفوِّق للخليفة السلطان بوصفه ظلًّا لله على الأرض وممثِّلًا لإرادته، لا منفّذًا لها فقط. والأهمُّ من ذلك هو أنّ الآداب السلطانيّة في العصر العباسيّ، بصفتها مرآةً للعلاقة بين الحاكم والمحكوم في الدولة؛ لا تشكّل قطيعةً معرفيّة مع ما كان رائجًا في الحقل السياسيِّ والإطار الفكريِّ خلال الحِقْبة الأُمويّة، بل هي امتدادٌ وترسيخ لها. وبعبارة أخرى، ففي عهد الأُمويّين بدأتْ فكرةُ (المُلْكِ) تظهرُ في الشعور السياسيّ، وضَعُفَ تأثيرُ العقيدة «بصفتها إطارًا مرجعيًّا للحكم»، ولكنه لم يغبْ بصفته أداةً أيديولوجيّةً تبريريّة، وحَلَّ تأثيرُ الحقل السياسيِّ بصفته مضمارًا تمارَس فيه السياسةُ بصفتها سياسة، وهو ما وصفه الجابريُّ في تحليله للعقل السياسيِّ العربيِّ بغلَبة تأثير القبيلة على العقيدة، ومجيءِ الأدب السلطانيِّ ليعكس واقع العصر، والذي به بدا الخليفةُ السلطانُ على رأس التنظيم الاجتماعيّ، فاتّسم الأدب السلطانيُّ بتوظيف النصوص الدينيّة والموروثات الثقافيّة في تبرير طاعة الحاكم.

المراجع:

1- Politics، Andrew Heywood، fourth edition، Palgrave Foundations، 2013، P:9.

2- محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي (3)، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، ص331.