الرياضيات > الرياضيات

كيف تنتشر الأفكار بين الناس من وجهة نظر الرياضيّات؟

استمع على ساوندكلاود 🎧

في استفتاءٍ ما، كيف تختار ما ستصوت له ؟ أياً كان قرارك في التصويت فهو حتماً ناتج عن تأثيرات خارجية، إن وسائل الإعلام ليست المؤثر الوحيد بل الناس من حولك لهم تاثيرهم أيضاً. لا أحد منا يعيش وحيداً منعزلاً و إنما دائما هناك تواصل مع الأفراد و الآراء التي تسود في مجتمع ما تظهر من خلال التفاعل بين العديد و العديد من الأفراد في هذا المجتمع.

في مؤتمر الرياضيات الأوروبي المنعقد في 22 حزيران 2016 في برلين، عرض بيرترام ديورينغ Bertram Düring بعض المحاضرات التي توضح هذه الفكرة، وعبّر عن الاهتمام في التحليل و نمذجة التصرفات و الآراء السائدة في مجتمع ما يحوي العديد من التواصل بين أفراده، فمثلاً، أشكال الآراء في مجتمع ما أو أشكال الأسعار في متجر ما.

إن ما نريده هو: "فهم كيف تظهر أنماط معينة في شكل نظام معين و كيف تكون هذه العملية بالكامل".

و بسبب الأعداد الكبيرة للناس في المجتمعات ( أو في المتاجر) فإنه من الصعب دراسة و فهم تصرف كل شخص على حدى، ولكن قد تم إجراء دراسة لحالات مشابهة سابقاً، مثل الدراسة التي تمت على الهواء الذي في غرفتك، إن الهواء يضم عدداً هائلاً من الجزيئات و الذرات وبالرغم من أن العلماء لم يستطيعوا تتبع تصرف كل جزيءٍ على حدى أبداً، ولكن قد تمكنوا من فهم سلوك الجزئيات ككل.

على سبيل المثال، هناك معادلة شهيرة للعالم بولتزمان و التي (إذا تمكنت من حلها ) فإنها سوف تعطيك احتمال وجود الجزيء في مكان ما من الغرفة و توقعاً عن سرعته التي يتحرك بها أيضاً في لحظة محددة من الزمن، نشأت هذه المعادلة من فرضيات معينة عن حركة الجزيئات وعن سلوك جزيئين ما عند اصطدامهما ببعضهما.

قال العالم ديورينغ : "الأفراد ليسوا جسيمات أو جزيئات ما، لذا لا نستطيع تطبيق الفيزياء السكونية على الأفراد، إن ما نفعله هو محاولة لنمذجة تفاعلات الأفراد مع بعضهم و ترجمتها الى لغة رياضية، نحن لا نريد تتبع رأي كل شخص منفرداً و إنما نريد دراسة سلوك المجتمع بالكامل، وهنا نستطيع استخدام الأدوات الرياضية في محاولة منا لإيجاد معادلة تصف أشكال الآراء في مجتمع بالكامل" .

الرياضيات و الجزيئات

أتى عالم الرياضيات جيسيب توسكاني Giuseppe Toscani عام 2006 بنموذج رياضي عن إجمالي أشكال الآراء. تعتمد الفكرة على أنه عندما يجتمع شخصان و يتحدثان بشأن قضية أو منتج ما، فغالباً ما ينتهي بهما المطاف إلى رأي مغاير نوعاً ما و هذا ما يشبه تصرف جزئيات الغاز و التي تغير اتجاه تنقلها و سرعتها بعد التصادم مع جزيءٍ آخر .

و بشكل مشابه لمعادلة العالم بولتزمان، اشتق العالم توسكاني معادلة تصف توزع الآراء في مجتمع ما (عدد الأفراد الذين يتفقون على رأي واحد بخصوص قضية ما في لحظة معينة من الزمن) حيث وضع بعض الفرضيات لوصف ما يحدث بعد النقاش بينهما عن رأي ما، ولكن كيف نصف هذا التفاعل رياضياً؟

نموذج العالم توسكاني في تغيير رأي الفرد:

يرمز العالم لرأي الشخص بالرمز w وهذا الرأي يأخذ قيمة مستمرة ضمن المجال [-1،1] حيث -1 قد تعني مثلاً " أنا حتماً أريد الخروج من هنا" و 1 تعني " أنا بالتأكيد أريد البقاء هنا" و 0 تعني " لم أقرر بعد " .

و اذا افترضنا وجود شخصين كان رأيهما الابتدائي v و w و بعد نقاش دار بينهما فيصبح رأيهما v* و w* ولها الصيغة التالية:

حيث إن P و D هي توابع تعبر عن التفكير الذاتي للشخص (فلسفياً يكون دور عامل التفكير الذاتي في تبني الفرد لرأيه يماثل دور المؤثرات الخارجية و التفاعل مع الغير) .

و الرمزان:

هما متحولات عشوائية مستقلة، لها التوزيع نفسه بمتوسط صفري و تغاير محدود ومنتهٍ، و التي تعبر عن انتشار المؤثرات الخارجية .

و الرمز:

وسيط ينتمي للمجال [0،1/2].

إن الرياضيات في هذه المعادلة معقدةٌ جداً و لكن ببعض الفرضيات تصبح بسيطة ولكنها قد لا تضع بالحسبان العديد من الفرضيات الأخرى حيث يقول العالم ديورينغ أنه بإمكاننا إضافة العديد من المتغيرات للوصول الى توافق بين الواقع و النمذجة الرياضية.

أمثلة على تلك الافتراضات:

1- إن الانسان يهتم لآراء الأفراد المقربين و لا يعطي انتباهاً لآراء أشخاص آخرين (هذا الافتراض غير موجود في المعادلة السابقة).

2- قدرة الفرد على الإقناع و التي تختلف من شخص إلى آخر.

3- مكان إقامة الفرد (عملية انتقاء رئيس أو عمدة للمنطقة مثلاً) .

4- كون الشخص عنيد و متشبث برأيه .

5- أن يكون الفرد شخصاً معروفاً أو مهماً أو مشهوراً فرأيه هنا قد يؤثر على آراء الكثير من الأفراد.

إن المهمة التي تلي إيجاد النموذج الرياضي هي وضع القيم الابتدائية لمتحولات و ثوابت هذا النموذج، حيث يمكنك اختيار تلك القيم بحسب وضع المجتمع أو الحالة المدروسة، و بذلك تصل إلى ما تتوقعه تلك المعادلة، وقد وصل العالم ديورينغ الى نتائج مذهلة عندما بحث في تأثير الموقع الجغرافي على آراء الأفراد في ذلك الموقع، ففي حادثة ملفتة للنظر حصلت في الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة في العقود الماضية، مؤيدو الحزب الجمهوري و الديمقراطي قد تجمعوا عبر العقود في منطقة جغرافية واحدة و بمرور السنوات قد ازداد هذا التجمع أكثر فأكثر مما أدى إلى انقسام سياسي عميق بين المقاطعات.

اقترح الصحفي بيل بيشوب Bill Bishop أن هذا التجمع سيؤدي بكل فرد من أفراد الولايات المتحدة إلى اختيار المنطقة التي توافق آراءَه السياسية، وهذه الفكرة مثيرة للقلق، لأن مثل هذا التوجه من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من المواجهة في السياسة الأميركية. ويتمثل هذا التوجه في الانتخابات الرئاسية ضمن ولاية أريزونا كما في الشكل التالي:

إن مؤيدي الحزب الجمهوري يتمثلون باللون الأحمر بينما يتمثّل الديمقراطيون باللون الأزرق، تركيز و كثافة اللون تعكس النسبة المئوية للمتفقين على الاتجاه الجمهوري أو الديمقراطي، فمثلاً مناطق الأزرق الغامق يقطن فيها بين 60-70% من السكان الديمقراطيين، و الأزرق المتوسط يقطن فيها بين 50-60% من الديمقراطيين، والأزرق الفاتح يسكن فيها بين 40-50%من الديمقراطيين.

قام العالم ديورينغ بإضافة العامل الجغرافي إلى معادلته بافتراض أن الأفراد يميلون إلى التأثر بآراء الأفراد الذين على مقربة جغرافية منهم، و بعدها بدأ بحل المعادلة مع افتراض أن نسبة الديمقراطيين و المؤيديين للحزب الجمهوري المتمثلة في عام 1992، ومن ثم درس النتائج وعلاقتها بالزمن، فكانت نتيجة تلك النمذجة مذهلة جداً حيث حصل على منطقة مقطعة سياسياً كما كانت عليها فعلاً في الحقيقة وهي واضحة في الشكل التالي حيث يتمثل توزع الديمقراطيين إلى اليسار و مؤيديي الحزب الجمهوري إلى اليمين.

لا نستطيع استخدام معادلة النمذجة للعالم ديورينغ في اختبار المثال السابق عن توزع السكان على المناطق فحسب و إنما لها تطبيقات أخرى مفيدة في عالم التسويق و إدارة الأعمال وفي النهاية يقول العالم ديورينغ "لا يهمنا دراسة رأي فرد واحد و إنما دراسة طريقة انتشار و تبني الرأي في مجتمع ما".

المصدر:

هنا