الرياضيات > الرياضيات

عندما تتحدث الموسيقى بلغة الرياضيات - الجزء الأول

استمع على ساوندكلاود 🎧

لقد قال العالم غاليليلو غاليلي في عام 1632 أن الكون كله قد كتب بلغة الرياضيات، وقد كان على حق.

كيف يمكن للرياضيات أن تحكم العديد من الظواهر العلمية والاجتماعية. حتى الموسيقى بكل الأحاسيس والشغف الموجود فيها تخضع لبعض العلاقات الرياضية حيث يمكن فهم كل من العلامات والسلالم الموسيقية والكوردات من خلال بعض القواعد الرياضية البسيطة.

حدة الصوت (الموجة الترددية):

تبدو لنا الموسيقى أنها تنتقل كالسحر من مكبرات الصوت أو من أوتار آلة موسيقية تعزف بالقرب منا إلى آذاننا ولكن ما يحدث حقيقة أن عملية انتقال الصوت ما هي إلا موجات تنتقل في الهواء فلا يمكن للصوت أن ينتقل دون وسط فيزيائي.

تخلق الموجة الصوتية حزمًا لحظية من الضغط الهوائي المنخفض والمرتفع وكل الأصوات التي نسمعها ما هي إلا التغيرات الحاصلة على الضغط. ويتحكم التردد الذي تحمله تلك الحزم عندما تصل إلى أذنيك بحدة الصوت الذي تسمعه.

على سبيل المثال لنأخذ العلامة الموسيقية الـ"دو" في الأوكتاف الأوسط (Middle C) - وهي غالبًا أول ما يعرفه الطالب عند بداية دراسته للعزف على البيانو- تملك هذه العلامة الموسيقية تردداً يقدر بحوالي 262 هرتز. وهذا يعني أنه عندما يتم عزف هذه العلامة فإن 262 حزمة من الضغط الهوائي المرتفع تصطدم بأذنيك في كل ثانية، وتصل هذه الحزم بسرعة كبيرةٍ جدًا حيث تصل حزمة واحدة إلى أذنيك كل 0.00382 ثانية.

ويمكننا أن نعبر عن ذلك من خلال رسمٍ نضع فيه علامة عند كل زمن تصل فيه حزمة من الهواء:

ولكن هذا الشكل لوحده لا يكفي فهو لا يقدم لنا الكثير من المعلومات، إنما يفيدنا في تصور العلامات الموسيقية والعلاقات بينها.

هنالك قاعدة ثابتة تقول بأن العلامات ذات الحدة العالية تملك ترددات عالية وهذا يعني المزيد من الحزم الهوائية التي تصل إلى آذاننا.

لنأخذ على سبيل المثال العلامة "صول الوسطى" (Middle G) والتي يقدر ترددها بـ 392 حزمة هوائية بالثانية، أو يمكن أن نعبر عن ذلك بأن نقول أنه هناك حزمة ستصل إلى آذاننا كل 0.00255 ثانية.

وبما أن ال "صول" أعلى من ال "دو" على السلم الموسيقي نجد أن وصول الحزم للأذن أصبح أكثر والذي يعني ترددًا أعلى، أي مزيدًا من إشارات ال x على الشكل.

إذا أصغينا إلى صوت سيارة الإسعاف أو إلى صفير القطار نلاحظ أن الصوت يصبح أعلى حدَّةً باقتراب منبع الصوت إلينا وتخف حدة الصوت تدريجياً بابتعاده عنا. وهذا لأن اقتراب المنبع الصوتي منا يجعل الموجات تنضغط بشكل أكبر وهذا يؤدي إلى وصولها بشكل متواترٍ أكثر ويجعلها تملك حدة أعلى. أما عملية ابتعاد مصدر الصوت فيؤدي إلى تباعد الموجات عن بعضها وهذا يؤدي لحدة منخفضة.

حسناً إذاً .. كيف يمكن للمعلومات السابقة أن تساعدنا؟

يمكننا من المعلومات السابقة عن تردد النغمات أن نكشف بعض أسرار الموسيقى كالكوردات والأوكتاف كما سنرى الآن.

لا يمكن أن نجد علامتين موسيقيتين متناغمتين أكثر من تلك اللتين يفصل بينهما أوكتاف واحد فقط (والأوكتاف هو السلم الموسيقي، أي المجموعة التي تضم النغمات السبعة من ال "دو" وحتى ال "سي"). فتظهر أزواج العلامات الموسيقية كال "دو" الموجودة بالأوكتاف الأوسط مع ال"دو" الموجودة بالأوكتاف التالي، وال "صول" الموجودة بالأوكتاف الأوسط مع ال "صول" الموجودة بالأوكتاف التالي بكثرة في الموسيقى المعروفة وكمثال على ذلك أول علامتين موسيقيتين في الجملة الثالثة من أنشودة Happy Birthday.

نلاحظ غالباً في السمفونيات أن بعض الآلات (كالكمان مثلاً) تعزف نغمة تكون أعلى من باقي الآلات (كالكونتر باص) بأوكتاف واحد. وعند الارتجال في موسيقى الجاز نادراً ما يهم ما الذي تقوم بعزفه بالضبط، طالما أنك تعزف نغمات من الأوكتاف نفسه الذي قمت باختياره. فالنغمات التي تبعد عن بعضها أوكتافًا واحد فقط تبدو وكأنها النغمة نفسها، أو على الأقل تبدو كأنها النغمة القديمة ولكنها قد تغيرت قليلاً.

الانسجام التام:

ما الذي يجعل النغمات التي تبعد عن بعضها أوكتافًا واحدًا تنسجم مع بعضها بهذه الروعة؟ لنأخذ على سبيل المثال ال "دو" في الأوكتاف الثاني (High C ) وال "دو" في الأوكتاف الأوسط (Middle C) واللذان يبعدان عن بعضهما أوكتافًا واحدًا.

تصل حزم الهواء بالنسبة لهذه النغمة كلَّ 0.00191 ثانية. ونلاحظ أن وصول الحزم الهوائية ليس عشوائيًا أو اعتباطيًا و إنما هذا الرقم بالضبط هو نصف الفترة الزمنية (أو ضعف التردد) لل "دو" (Middle C ). وهذه المعلومة معروفة جداً بالنسبة لمن يعرفون الأوكتاف فهناك علاقة أساسية تجمع بين النغمات التي تبعد عن بعضها أوكتافًا واحدًا، فالصعود إلى أوكتاف أعلى يعني دائما مضاعفة التردد للتغمات. فكما يكون التردد للـ "دو" في الأوكتاف الثاني (High c) أعلى من ال "دو" في الأوكتاف الأوسط(Middle c) كذلك الأمر بالنسبة للـ "ري" في الأوكتاف الثاني (High d) والـ "ري" في الأوكتاف الأوسط (Middle D) وهكذا.

لنتخيل أننا عزفنا النغميتن "دو" الموجودتين في الأوكتاف الأوسط والثاني ( أي high c و middle c) في الوقت نفسه .. سوف ينسجم وصول الحزم الهوائية مع بعضها بنمط معين.

وبما أن تردد النغمة في الأوكتاف الثاني يساوي ضعف ترددها بالأوكتاف الأساسي فتصطف الحزم الهوائية لكليهما بشكل رائع.

كل وصول لحزمتين من (High C) يقابله وصول لحزمة واحد من ال (Middle C) ونلاحظ أن ال تتوضع فوق بعضها تماماً. وسيحدث الأمر ذاته لو كان لدينا "ري" في الأوكتاف الأساسي والثاني (Middle D و High D) أو أي نغمتين تبعدان عن بعضهما أوكتافًا واحدًا فقط، فالنتيجة أنهما ستنسجمان سويةً بشكل جميل كما أن صوتيهما متشابهان جداً.

كما يمكننا أن نرى ذلك عند العزف على الغيتار، فعندما نعزف على وتر ما في الخانة الثانية عشرة سنكون بالضبط عند منتصف ذلك الوتر مما سيجعله يهتز بضعف السرعة. هذا يعني أن التردد أصبح أكبر بمرتين أي كأننا انتقلنا أوكتاف واحد إلى الأعلى. على سبيل المثال يتم ضبط الوتر الأول من الغيتار ليقابل "مي" من الأوكتاف الأساسي (Middle E) ولكن لو عزفنا هذا الوتر من الخانة الثانية عشر فهذا سيعطينا نغمة "مي" من الأوكتاف الثاني (High E) أي أننا ضاعفنا التردد وانتقلنا بذلك إلى نغمة في الأوكتاف الأعلى مباشرة.

كما سيستمر هذا الأسلوب كلما انتقلنا إلى أوكتاف أعلى أكثر، فالنغمة التي تبعد عن ال "دو" ( Middle C) بأربعة أوكتافات (وتسمى أحيانا High High C) يكون التردد الخاص بها يساوي أربعة أضعاف تردد ال "دو" أما النغمة الموجودة في الأوكتاف الذي يلي السابق فسيكون ترددها يساوي ثمانية أضعاف ال "دو" وهكذا. إذاً يمكننا أن نستمر بالصعود إلى أوكتافات أعلى ونضاعف التردد في كل مرة ولكننا سنصل إلى مرحلة تصبح فيها النغمات عالية جداً بحيث لا يمكن أن تسمعها إلا القطط والكلاب.

كما ذكرنا سابقاً فإن النغمات التي تبعد عن بعضها أوكتافًا واحدًا تلائم بعضها جدًا، ولكن من المثير للاهتمام أن نجرب نغمات أخرى ونرى فيما إن كانت ستتلائم مع بعضها أم لا. لنأخذ على سبيل المثال ال "دو" و ال "صول"، نلاحظ أنهما تتلائمان بشكل جميل، ولكن لماذا؟ لنختبر معاً الشكل الذي يعبر عن موجاتهما:

نلاحظ أن الوصول الثاني لموجات ال "دو" ينطبق تماماً مع الوصول الثالث لموجات ال "صول" وهذا يجعلهما مكملتين لبعضهما وغير متضاربتين، فهناك العديد من الكوردات التي تتضمن "دو" و "صول" وبما أنه يحدث توافق في ورود الحزم كل ثلاثة فترات زمنية من "صول" مع فترتين زمنيتين من "دو" هذا يعني أن تردد ال "صول" أكبر ب 3/2 مرة من تردد ال "دو" وهذه النسبة تعتبر نسبة بسيطة ولذلك يتناغم الصوتان معاً بشكل جميل.

على العكس من ذلك نجد أن ال "دو" و ال "فا دييز" (F-sharp) لا تتلاءمان مع بعضهما جيداً وإن قمنا بعزفهما في آن واحد سنشعر أن الصوت الناتج عن دمجهما غير محبب، فنادراً ما يجمع بينهما المؤلفون الموسيقيون.

ولو رسمنا مخططًا يُظهر مواضع وصول كلٍّ منهما سنلاحظ أن ال المرسومة على الشكل لكل من ال "دو" و ال "فا دييز" لا يمكنهما أن تصطفا معًا، فلا يوجد علاقة تربطهما، ومع أن 5 فترات زمنية من "دو" لا تبعد كثيرا عن سبع فترات زمنية من "فا دييز" لكن الرقمين غير متقاربين، كما أن الانتظار لسبع فترات زمنية يعد زمناً طويلًا، فإذًا لا يصلح دمج النغمات كتلك. وهذه المبادئ التي تكلمنا عنها تنطبق على جميع أنواع الموسيقى.

في الجزء الثاني من مقالنا سنضاعف المرح أكثر، حيث سنختبر العلاقة بين ثلاث نغمات في كورد واحد، وسنحلل إمكانية ورود بعض العلامات الموسيقية في كورد واحد مع غيرها بشكل موسع أكثر، كما سنتكلم على الانتقال بين المفاتيح الموسيقية وكيفية تحقيق ذلك رياضياً، فانتظرونا.

المصدر:

هنا