الموسيقا > القوالب الموسيقية

مدخل إلى القوالب الموسيقية، الجزء الثاني، الموتيف.

استمع على ساوندكلاود 🎧

لقد تحدّثتُ في المقال السابق هنا عن الفكرة العامة للقوالب الموسيقيّة وعن فكرة وجود أجزاء في العمل الموسيقي، والآن سأبدأ بالحديث عن أصغرِ العناصر التي يُبنَى عليها العمل الموسيقي وهو الموتيف، فإن دِراسةُ القوالب تَبدأ من أصغرِ التفاصيل ومعالم القالب تظهر حتّى من تَغَيُّر نبرات العلامات الموسيقيّة.

الموتيف Motif، وهو أصغر فِكرة موسيقيّة مُتَشَكِّلَة من صَوت موسيقيّ وَاحِد، وهو المادّة الأوّليّة لِبنَاء أي عمل موسيقي،ّ ويُمكِن لِلموتيف الواحد أن يُشَكِّل "تيمة، Thema" أو موضوع موسيقي ويُمكِن أن يَتَّحِد مع موتيف آخر أو أكثر لِيُشَكِّلوا مجتمعين تيمة واحدة.

ومن منّا لا يَعرِف الموتيف الافتتاحي للسّيمفونية الخامسة لبيتهوفن،

والتيمة الرئيسيّة بالأصل مبنية من تَكرار الموتيف مرّتَين مع تَغيير النبرات.

ويُمكِن لِلمُستَمع العادي عِندَ سَمَاع بداية الحركة الأولى للسّيمفونية أن يَلمِس دَور هذا الموتيف في تَطوير النَّسيج الموسيقي في هذِه السيمفونية، ذلك أنّ بداية الحركة مَبنِيَّة على تركيب هذا الموتيف من نبرات مُختَلِفة وبِشَكلٍ متتالي ومُوَزَّع بَين آلات الأوركسترا، ونِهايَةُ كلِّ موتيف عند آلةٍ معينة، هي بِدايَتُهُ عند آلةٍ أُخرى، وهذا ما يُعطي شعوراً بالتَّصعيد السريع وبالتَّدفُّق، وكأنَّ الموسيقى تَمشي وتَتَصاعَد دون أن يستطيعَ أحدٌ أن يوقِفَهَا. وهذا ما مَيَّزَ بيتهوفن عن كثيرٍ منَ الموسيقيّين في ذلكَ العصر.

وهذا تدوينٌ مبسط لأوَّل عشرين ميزور من الحركة الأولى للسيمفونية الخامسة لبيتهوفن مع تَوضيح مُبَسَّط لِحَرَكةِ هذا الموتيف.

ويُمكِن التعامُل مع الموتيف بِشَكلٍ مختلف، كما في "بريلود باخ الأول مقام دو ماجور من كتاب الكلافير المعدل الأول" وهو عمل مَبنيّ على تَكرار موتيفين، الأول في الصوت السُّفلي "صوت الباص"

والثّاني في الصوت العُلوي "صوت السوبرانو"

وهما مُرَكّبان فَوقَ بعضهما بهذا الشّكل

ويُكرِّر باخ هذين الموتيفين على مَسَار العمل ولكن مع تَغيير الكورد أو الثلاثي الصَوتي الهارموني في كُل ميزور وبِذلك تَكون الجملة الأولى

ويبقى شكلُ الموتيفين كما هو حتّى نهاية العمل تقريباً ولا يَتَغَيَّر فيهما إلا النَبَرَات في كل موتيف، وبالتالي فإن العمل بِكامِلِهِ مَبنيّ على هذَين الموتيفين، وتَكرارُهما بِانسِجاماتٍ هارمونية مُختَلِفة هو الذي يُشَكِّل التَّبايُن والتَّطَور في العَمَل الموسيقيّ.

بذلك يكونُ الموتيف هو الوسيلةُ الأَقوَى للمُؤَلِّف لبِنَاءِ التيمات وتطوير هذه التيمات والوَصل بين أجزاء العمل الموسيقيّ وبِناءِ التَفاعُل في القوالبِ الكبيرة.

كما هناك الكثير من الموتيفات المُمَيَّزة التي تَرسَخ في الذّاكرة بعد سَمَاعِها للمرّةِ الأولى، وبِالتالي تُعطي هويّة لِلعَمَل الموسيقي، فَيَكفي سَماع الموتيف الأوّل من بِداية الحركة الأولى للسيمفونية الخامسة لبيتهوفن حتّى نُمَيِّز أنَّها السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، وهذا ما لا نَجِدُهُ دائِماً في كلِّ الأعمال الموسيقيّة.

في الموسيقى العربية

إنَّ الموتيف في الموسيقى العربية هو بالضَّرورَة أَغنى من الموتيف في الموسيقى الأوروبيّة، وذلك يَعود لِغِنَى الموسيقى العربية بالمقامات التي تُعطي احتِمالاتٍ أكثر لِتَكوين الموتيفات، لكنّ الأوروبيّين كانوا أكثَرَ دِرايَةً بأَهمِّيَّةِ هذا العنصر، فَعَرَفوا كَيفيَّة التعامُل مع الموتيفات ووَظَّفوها بِشَكلٍ مُتَطَوِّر وفعَّال في بِناءِ أعمالهم الموسيقية.

أمَّا الموسيقيين العرب فَلَم يَعتَمِدوا غالِباً على تَطوير التيمة أو اللَّحن، بل اعتَمَدوا على خَلقِ الحانٍ جديدة على طول الأُغنِية أو العَمَل الموسيقيّ، فكانت تُعرَض التيمة كما هي وعندما تَنتَهي تَأتي تيمة جديدة بَعدَها، ولِذلك كانت مقاطِع الأغاني تُعاد لِمَرَّاتٍ عِدَّة لِتَرسَخ التيمة أو اللّحن، فغَالِباً لن يَتَكَرَّر هذا اللّحن وسّيأتي بَعدَهُ لحن جديد، طبعاً عَدَا اللّوازِم والتَّسليم التي تُعَاد بِناءً على قالب الأغنية، كما أن الموسيقى الغنائية التي سَيطَرَت على الموسيقى العَرَبيّة بِشَكلٍ من الأشكال حَدَّت قليلاً من تطوّر استخدام الموتيف، لأنّ الكَلِمة تساعد المُلحّن على خَلقِ ألحانٍ جديدة دائماً، ممّا لا يَضطَّرَّه لاستخدام الموتيفات بشكلٍ أَوسَع.

ولكن هذا لا يَعني أنّ الموسيقيّين العرب لم يَعرِفوا كيف يَتَعامَلون مع الموتيف، وأَذكُرُ مَثَلاً أغنية "غنيلي شوي" لِلمُلَحِّن زكريا أحمد من مقام رست، وفيها التيمة الرَّئيسيَّة مَبنيَّة من موتيفَين يَتَكَرَّران مع تَغيير النبرات في كُل مرَّة.

(من الدقيقة 00:16 إلى 00:23)

وفي المقطع الأوّل (خليني اقول ألحان، يتمايل لها السامعين، ...)، هذا المقطع بُنِيَ على نَفس الموتيفات من اللّازِمة ولكِنّها تَتَكَرَّر بِشَكلٍ مُتَصاعِد في دَرَجات المَقَام لِتَصِل إلى دَرَجة الأَساس أو التونيك في الجواب، لِيَعود بِشَكلٍ تَدريجيّ ولكن أَسرَع بموتيف مُشَابِه للموتيف الثّاني، ثمّ يَربُط المقطع الأوّل باللّازمة عن طريق موتيف التسليم الّذي يَستَخدِمُهُ في نِهايةِ كلِّ المقاطِع ليَربُطَها مع التيمة الرئيسيّة.

وهذا تدوين مُبَسَّط للمقطع الأوّل مع تَوضيح لِحَرَكة الموتيفات.

(من الدقيقة 00:38 الى 01:07)

وهناك العديد من المُلَحِّنين الّذين تَعامَلوا مع الموتيف العربي بِشَكلٍ مُتَطوِّر، مثل رياض السنباطي، بليغ حمدي، الأخوين رحباني، وديع الصافي ومُعظَم المُلَحِّنين في تِلكَ الفترة، ولكن لم يتطوّر كثيراً استخدام الموتيف لِيأخُذ دَورَه الفَعَّال في تَطوير التيمات وَتَفَاعُلِها مع بَعضِها، ولكن طالما بَدَأ العديد من المُلَحِّنين في الماضي القريب بالتَّعامل مع الموتيف العربي بأسلوبٍ مَدروس، فَلا بدَّ أن يَتَطَوَّر هذا الأسلوب ويأخُذ الموتيف دوراً فعّالاً أكثر. وَلَرُبَّما أَمكَنَ استخدام الموتيف بِشكلٍ مُختَلِف عمَّا عُرِفَ بالموسيقى الأوروبيّة. وبرأيّي أنّ فَهمَ امكانيّات الموتيف العربي واستيعاب احتِمالاتِهِ هو خُطوة إيجابيّة نَحوَ تَطوّر الموسيقى العربية في المستقبل.

القليل من الأمثلة:

المصدر:

Formlehre، Clemens Kühn