الطب > ‫‏كيف يعمل جسم الإنسان‬؟

سلسلة "كيف يعمل جسم الإنسان؟" - سوائلُ الجسم- الجزء الأول

استمع على ساوندكلاود 🎧

يشكّل الماءُ حوالي 60% من وزنِ جسمِ الإنسانِ البالغ، أي أنك بمعنىً آخرَ عبارةٌ عن كثيرٍ من الماء وقليلٍ من الأشياءِ الأخرى! وبينما يتوزع أغلبُ هذا الماءِ ضمنَ الخلايا وبينَها، يبقى جزءٌ منه ليملأَ أجوافَ الجسمِ... وبعدما تعرّفنا على أجزاء الجسمِ المختلفةِ لننظرْ سوياً إلى السوائلِ التي تملأ تلك الأجواف.

توزُّعُ الماءِ في جسمِ الإنسان:

يوجد لدى بالغٍ وزنُه 70 كغ حوالي 42 لتراً من الماء وهذه الكميةُ قد تتغير بالطبع تِبعاً للجنسِ والعمرِ والوزن. يتوزع منها ما يَقرُبُ من 28 لتراً في الحَيِّزِ داخلِ الخَلَوِيِّ مشكِّلاً 40% من وزن الجسمِ في شخصٍ عادي. بينما يتوزع ما تبقّى وهو 20% من وزن الجسمِ على الحيِّزِ خارجِ الخَلوي، منها حوالي 12 لتراً في الحيزِ بينَ الخلايا وبلازما الدم، و لِترٍ إلى لترين في حيّزٍ يدعى بالسائلِ البَيْنِيِّ Transcellular والذي يشمل: السوائلَ في الأحيازِ الزَّلِيلةِ البْريتْوانيّةِ والتامورِيةِ والجَّنْبِيةِ، والسائلَ داخلَ المُقْلَةِ والسائلَ الدماغيَّ الشوكيَّ، وهو ما سنتحدث عنه بشكلٍ رئيسٍ في هذا المقال.

1. السائلُ الدماغيُّ الشوكيُّ Cerebrospinal Fluid:

وهو السائلُ الذي يوجَد في بُطيناتِ الدماغِ والصهاريجِ حولَ الدماغِ والمسافةِ تحتَ العنكبوتيةِ من سحايا الدماغِ والنخاعِ، وهي كلُّها حجراتٌ مرتبطةٌ ببعضِها تحوي حوالي 150 مل من السائلِ الذي يتجدد باستمرار. يشكل هذا السائلُ وسادةً يطفو ضمنَها الدماغُ (لكِلَيهِما الثِّقَلُ النوعيُّ نفسُه) ممّا يحميه من أثرِ الضرباتِ على الرأس، إضافةً لدورِ هذا السائلِ في ترطيب الدماغِ وتبريدِه آخذاً معه المستقلباتِ والفضلاتِ من الخلايا.

يتكون هذا السائلُ بسرعةٍ تُقارِب 500 مل في اليوم الواحدِ من خلال الضفائرِ المَشيمِيّةِ المتواجدةِ في البُطَيناتِ الأربعةِ بشكل رئيس. يمرّ السائلُ المنتَجُ في البطينين الجانبيين والبطينِ الثالثِ على طول مَسَالِ سلفيوس إلى البُطين الرابعِ، حيث تُضاف إليه كميةٌ إضافيةٌ صغيرةٌ ومن ثَمَّ وعبرَ ثلاثِ فتحاتٍ هي فتحتا لوشكا وثقب ماجندي، يمرّ هذا السائلُ إلى الصهريجِ الكبيرِ وهو حيِّزٌ يقع خلف البصلةِ وتحت المُخَيخِ، ويتصلُ هذا الحيزُ مع المسافةِ تحتَ العنكبوتيةِ التي تحيط بكلٍّ من النخاعِ والدماغ. يَجري بعدَها السائلُ صعوداً نحو الزُّغاباتِ العنكبوتيةِ التي تَبرز إلى الجيب السهميِّ الكبيرِ وإلى الجيوبِ الوريديةِ الأخرى للمخِّ حيث يعود إلى الدمِ الوريدي.

ولهذا السائلِ صفاتٌ فيزيائيةٌ وكيميائيةٌ معيّنةٌ تختلُّ في الكثير من الحالاتِ المرضيةِ، حيث يمكن لتحليلِ السائلِ الدماغيِّ الشوكيِّ وفحصِه المساعدةُ في الكشفِ عنها. يبلغ ضغطُ السائلِ الدماغيِّ الشوكيِّ الطبيعيِّ عندما يكون الشخصُ مُستلقياً حوالي 10 ملم زئبقي، ويمكن لارتفاع ضغطِ السائلِ الدمويِّ الدماغي الناتجِ إما عن زيادةٍ في إنتاجِه أو إعاقةٍ في تصريفِه أن يُرى في مجموعةٍ من الحالات المَرضيةِ كالأورامِ والإنتاناتِ ومَوَهِ الرأسِ Hydrocephalus (ما يُعرف باستسقاء الدماغ) والنزف. كما يمكن لهذا الضغطِ أن يَنقُصَ في حالات التَّجْفافِ والصدمةِ أو تسرّبِ السائلِ الدماغيِّ الشوكيِّ عبر فتحةٍ ما، ككَسْرٍ في أحد الجيوبِ على سبيل المثال.

ويكون السائلُ الدماغيُّ الشوكيُّ في الحالة الطبيعيةِ عديمَ اللونِ رائقاً مائعاً كقَوامِ الماءِ، ويتغير لونُه في الحالات المرضيةِ فقد يتلوّنُ بالأصفرِ أو البرتقاليِّ أو الزهريِّ في حالاتٍ كالنزفِ ضمن السائلِ أو وجودِ البيلروبين فيه، وقد يتعكرُ عند وجود الكُرَيّاتِ البيضِ أو الكائناتِ الدقيقةِ كما في الإنتاناتِ، أو الكرياتِ الحُمرِ كما في النزفِ، أو عند ارتفاعِ محتواه من البروتين. كما قد تزداد لزوجتُه في بعض الأورام. ومن الناحية الكيميائيةِ يمكن لتغيُّراتِ تراكيزِ الموادِ الموجودةِ فيه أن تساعدَ في تشخيص الحالاتِ المرضية.

صورةٌ لجريانِ السائلِ الدماغيِّ الشوكيِّ:

2. السائلُ الجَّنْبِيُّ Pleural Fluid:

وهو سائلٌ مَصْلِيٌّ قليلُ الكميةِ (ميليمتراتٌ قليلة) يملأ جوفَ الجَنْبِ المتشكلِ بين وُرَيقَتَي الجنبِ اللتين تغلّفان الرئتين من الخارج. يفرَز هذا السائلُ من الشرايين بين الأضلاعِ في الوُريقةِ الجداريةِ ويُعاد امتصاصُه في الجهازِ اللَّمْفِيِّ، أي أنه يتجدد باستمرار. وتتلخص مَهمتُه في تزليق الوريقتين على بعضِهما البعضِ، إضافةً لإحداثِه نوعاً من التوترِ السطحيِّ الذي يربط وُريقتي الجنبِ ببعضِهما البعضِ مما يضمن تمدُّدَ الرئتين عند تمدُّدِ جدارِ الصدر.

يمكن لكميةِ هذا السائلِ أن تزدادَ ويتجمَّعَ في جوف الجنبِ إما نتيجةً لزيادةٍ في إنتاجِه أو لنقصٍ في تصريفِه، وتُسمّى هذه الحالةُ بانصِبابِ الجنب. وكما هو الحال بالنسبة للسائلِ الدماغيِّ الشوكيِّ فإن تحليلَ السائلِ الجنبي من شأنِه أن يكشفَ مجموعةً من الحالات المرضيةِ، لذا تُجرى عليه مجموعةٌ من الفحوصِ الكيميائيةِ والخَلَويةِ إضافةً لخواصِّه الفيزيائية. تشمل التحاليلُ الكيميائيةُ بشكلٍ رئيسٍ مستوى السكرِ والكولسترولِ والشحومِ والأميلازِ والبروتينِ، إضافةً إلى مُعايَرةِ عواملِ المتَمِّمَةِ وأضدادِ النُّوى وحمضِ الهْيالورونيك وغيرِها، في حين تشملُ الدراسةُ الخَلَويةُ له تعدادَ الكرياتِ الحمرِ والبيضِ أو الخلايا الورميةِ إضافةً للدراسةِ الجُرثومية.

ويكون السائلُ الجَنْبِيُّ في الحالة الطبيعيةِ مَصْلِياً رائقاً، ولكن قد يتغير لونُه بسبب العديدِ من الأمراضِ، فقد يصبح حليبيّاً لزيادةِ محتواه من البروتينِ، أو عكراً نتيجةً لوجود الكرياتِ البِيضِ في الإنتانات، أو أحمراً بسبب الكرياتِ الحُمْرِ كما في النزف.

3. السائلُ البْرِيتْواني Peritoneal Fluid:

وهو طبقةٌ رقيقةٌ من السائل الذي يجري إفرازُه في جوفِ البطنِ لتزليقِ سطوحِ النسيجِ المبَطِّنِ لجدارِ البطنِ والحوض، ويحتوي على الماءِ والشواردِ والكرياتِ البيضِ والأضداد. وتُعرف الحالةُ التي يتجمّع فيها هذا السائلُ بكمياتٍ أكبرَ من الحالة الطبيعيةِ باسم "الحَبَن Ascites" الذي من الممكن أن يحدثَ في مجموعةٍ من الحالاتِ المرضيةِ مثل التهابِ البريتوان وارتفاعِ الضغطِ في وريدِ البابِ التالي عادةً لتشمُّعِ الكبد، والفشلِ الكُلْوِيِّ، وسوءِ التغذيةِ إضافةً للأورامِ وقُصُورِ القلبِ والنَّزْف. ويعاني هؤلاء المرضى نتيجةً لذلك من تمدد البطنِ والانزعاجِ والغثيانِ والزُّلّةِ التنفسية.

4. السائلُ التامورِي Pericardial Fluid:

وهو السائلُ الذي يفصل وُريقتي التامورِ - أي الغشاء الذي يغلّف القلب- عن بعضِهما البعض. يفرَز من الوريقةِ المَصليةِ (الداخلية) للتامورِ، وكبقيةِ السوائلِ التي سبق وتحدثنا عنها، تتجلّى مهمتُه في تزليق الوريقتين وتقليلِ الاحتكاكِ بينهما مع كل ضربةٍ قلبية. هذا السائلُ الصافي التِّبْنِيُّ اللونِ الذي يقارب حجمُه لدى فردٍ بالغٍ سليمٍ 50 مل يحتوي على كمياتٍ كبيرةٍ من اللاكتات ديهايدروجينيز LDH والبروتين والخلايا اللمفاوية.

إنّ تجمُّعَ هذا السائلِ بكمياتٍ كبيرةٍ في جوف التامورِ من شأنِه أن يسبّبَ حالةً مرضيةً تعرف بانصبابِ التامور Pericardial effussion، حيث أنّ تجمُّعَه يُعرِّض القلبَ لضغطٍ خارجيٍّ، مما يمنعه من التمدد الكاملِ مقلِّلاً حجمَ الدمِ الواصلِ إلى القلب، وبالتالي النتاجَ القلبيَّ، وتُعرف هذه الحالةُ باسمِ "الانْدِحاسِ القلبي Cardiac tamponade" الذي من الممكنِ أن يَنتُجَ عن التهاب التامورِ أو الرضوضِ الخارجيةِ (حوادثِ السياراتِ مثلاً) التي تسبّبُ نزيفاً ضمن جوفِ التامور.

5. السائلُ الزَّليلِيُّ Synovial Fluid:

وهو السائلُ الموجودُ في المفاصلِ الزَّليلةِ في جسم الإنسانِ، والاختلافُ الرئيسُ بينَه وبين باقي سوائلِ الجسمِ هو احتواؤُه على كمياتٍ كبيرةٍ من حمض الهيالورونيك (المُخاط)، ويُعتقد أنّ للسائل الزليليِّ وظيفتين أساسيتين: الأولى هي تغذيةُ الغضاريفِ المَفصِلِيةِ من خلال عملِه كوسيطٍ لنَقْلِ المغذِّياتِ إليها، أما الثانيةُ فهي تقديمُ المساعدةِ الميكانيكيةِ عن طريق التزليقِ وتقليلِ الاحتكاكِ بين السطوحِ المَفصِلية.

يختلف حجمُ هذا السائلِ من مَفْصِلٍ لآخرَ، وكما هو الحالُ مع بقيةِ السوائلِ تُجرى عليه التحاليلُ المخبريةُ للمساعدة في تشخيصِ العديدِ من التهابات المفاصل.

6. الخِلْطُ المائيُّ Aqueous Humor:

وهو سائلٌ مائيٌّ يملاً الحجرتين الأماميةَ (بين الوجهِ الخلفيِّ للقرنيّةِ والوجهِ الأماميِّ للقُزَحِية) والخلفيةَ (بين القزحيةِ والجسمِ البِلّوريِّ) في العين. ويتجلى دورُه في الحفاظِ على شكل العينِ الكُرَوِيِّ في هذه المنطقةِ وتغذيةِ الأجزاءِ الموجودةِ فيها والتي تفتقد للتَّروِيةِ الدمويةِ كما هو الحالُ في القرنية.

وإنّ اختلالَ تصريفِ هذا السائلِ يؤدي إلى زيادةِ الضغطِ داخلَ المُقْلةِ مسبّباً حالةً مرضيةً تُعرف بالزَّرَق- ويتداوله العامةُ باسم ‘الماءِ الزرقاءِ‘، الأمرُ الذي سيؤدي إلى فِقدانِ البصرِ إذا لم يُعالَج.

المصادر:

Guyton Textbook of Medical Physiology 11th ed.

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا