الكيمياء والصيدلة > صيدلة

البلاسيبو أو الدواء الوهمي .. ما هو؟ وكيف يعمل؟

استمع على ساوندكلاود 🎧

هناك سكاكرُ ملونةٌ يأكلها الأطفال ويسعدون، وهناك أدويةٌ على هيئة حبوبٍ ومضغوطاتٍ وغيرِها يتعاطاها المرضى فيرتاحون ويتعافَون، لكن، أن يأكلَ المريضُ السكاكرَ فيُشفى من المرض، لا بدّ أن في الأمر خطباً، أو خدعةً، أو أيَّ شيءٍ آخر، وستكون مهمة هذا المقال البحث عن هذا الشيء.

إن ما تحدثنا عنه ليس خدعةً بل بلاسيبو Placebo*! نعم، إن الـ "بلاسيبو" أو "الدواءَ الغُفْل" أو "الدواءَ الوهمي" وبتعريفٍ سطحيٍّ إلى حدٍّ ما، هو أن تعطيَ المريضَ قطعةَ السكاكرِ فتعمل عملَ الباراسيتامول (دواء مسكن للألم).

البلاسيبو وبالتعريف الطبي: هو أيُّ طريقةٍ أو دواءٍ يبدو حقيقياً، لكنه لا يحوي مادةً فعالةً في ذاتِه (وإنما قد يكون مجردَ سكرٍ أو نشاءٍ أو محلولٍ ملحيٍّ) ومع ذلك يبدي تأثيراً دوائياً في الجسم.

نشأة البلاسيبو وأهميته:

في عام 1772 ذكر الطبيبُ الإسكوتلندي ويليام كولن William Cullen أنه أعطى دواءً لا يحوي مادةً فعالةً لمرضاه ومع ذلك ظهرت عليهم بعضُ النتائجِ الإيجابيةِ، أما مصطلحُ البلاسيبو فلم يُستعمل حتى القرنِ العشرين؛ لكن -وبغض النظرِ عن هذه المعلومةِ التاريخيةِ- هل نكتفي بنتائجَ ذكرها طبيبٌ منذ أكثر من 230 سنة؟! ألا يبدو استعمالُ مادةٍ غيرِ فعالةٍ تصرفاً غيرَ مهنيٍّ، وربما غيرَ أخلاقيٍّ، كإعطائه مريضاً يحتضر أو في أمسّ الحاجةِ إلى العلاج؟ ما قولُ العلمِ الحديث، وما قولُ الطبِّ المُسنَدِ بالدليل في هذا الصدد؟ ببساطة، إن استعمالَه هو تصرفٌ مهنيٌّ، لكن كيف ولماذا؟

حسناً، قبل استخدامِ البلاسيبو في التجارب الطبيةِ، كان الأطباءُ يختبرون كفاءةَ الأدويةِ أو الطرقِ العلاجيةِ الجديدةِ باستخدام مجموعتين من المرضى؛ الأولى تُعطى الدواءَ الجديدَ، والثانيةُ لا تُعطى شيئاً، أو تُعطى دواءً قديماً، فإذا كان حالُ الأولى أفضلَ من الثانية فالدواءُ الجديدُ فعال، وإلا فإنه –أي الدواءَ الجديد- خلافُ ذلك. لكن، ماذا لو كان تحسُّنُ المرضى ناتجاً عن عواملَ نفسيةٍ لا عواملَ بيولوجيةٍ، ألا يؤثر ذلك في نتيجة الدراسةِ الطبية؟ هنا يأتي دورُ بطلِنا، البلاسيبو، إذ نعطي مجموعةً من المرضى الدواءَ الجديد، ومجموعةً أخرى الدواءَ القديم، ومجموعةً ثالثةً البلاسيبو، ولكي نحكمَ بأن الدواءَ الجديد هو الأكثر فعاليةً، فيجب أن تكونَ نتائجه أفضلَ من نتائج البلاسيبو (وبذلك نستبعد العاملَ النفسي)، وأفضلَ من الدواء القديم.

العوامل التي تؤثر في عمل البلاسيبو

إنه لمن الغريب أن تؤثرَ المادةُ غيرُ الفعالةِ على نحوٍ مختلفٍ في  مجموعةٍ من الأشخاص (وسنستعرض سببَ ذلك في الجزء الخاصِّ بآلية عملِ البلاسيبو)؛ ومن العوامل المؤثرةِ حجمُ الدواءِ، فكلما كان حجمُ حبةِ الدواء مثلاً أكبرَ كان تأثيرُها أكبرَ، وحبّتان تؤثران أكثرَ من حبةٍ واحدة، والحبوبُ ذاتُ اللونِ الأحمرِ والأصفرِ والبرتقالي ذاتُ تأثيرٍ منبه (تزيد حالةَ الصحوِ وضرباتِ القلبِ مثلاً)، أما الحبوبُ ذاتُ اللونِ الأزرقِ والأخضر فهي ذات تأثيرٍ مهدئ؛ وإذا أخبرنا المريضَ أن هذا الدواءَ الذي سنعطيه إياه غالي الثمنِ أو من شركة دوائية مشهورةٍ، فإن تأثيرَه سيكون أكبرَ مما لو أخبرناه أنه دواءٌ رخيص أو من شركة متواضعة.

ليس هذا فحسب، بل لنزيدَ الأمرَ غرابةً، نذكر أن البلاسيبو يؤثر على نحو مختلف في المجتمعاتِ المختلفةِ، فأدويةُ خفضِ الضغط أقلُّ تأثيراً في الألمان مقارنةً بغيرهم، وفي الوقت عينِه، يعمل البلاسيبو على نحوٍ أفضلَ لدى الألمانِ عندما يكون الأمرُ متعلقاً بقرحة المعدة.

والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالمرضى الذين يُعطَون البلاسيبو على أنه دواءٌ منبه، يزداد لديهم معدلُ ضرباتِ القلبِ ويرتفع الضغط ويزداد معدلُ تفاعلاتِ الجسم، أما الذين يُعطَون  البلاسيبو على أنه دواءٌ منوِّمٌ فيحدث لديهم العكس.

أمثلةٌ على عمل البلاسيبو:

1- تخفيف الألم: البلاسيبو فعالٌ جداً في هذا المجال، ويُعتقد أن آليةَ عملِه تتمثل في تحرير الإندورفينات Endorphins وهي مسكناتُ ألمٍ موجودةٌ في الجسم على نحوٍ طبيعيٍّ، أو قد يغير البلاسيبو من شعور الإنسانِ بالألمِ فيخففه.

2- الاكتئاب: إنّ تأثيرَ الأدوية المضادةِ للاكتئاب يعود في قسمٍ منه إلى العامل النفسيِّ، حتى إنّ البلاسيبو قد يبدي مفعولاً طويلاً في العلاج يصل إلى 12 أسبوعاً. وبالمناسبة، فإن عدداً كبيراً من الأدوية الجديدةِ التي تجري دراستُها في معالجة الاكتئابِ لا تستطيع أن تتجاوزَ البلاسيبو في مفعولِها.

3- القلق.

4- السعال: أشارت بعضُ الدراسات إلى أن 85% من مفعول أدويةِ السعالِ يعود إلى البلاسيبو، والباقي إلى فعاليةِ الدواءِ الحقيقية.

5- مشاكل انتصابِ القضيب: في تجربةٍ أجريت في هذا المجالِ على ثلاثِ مجموعات، الأولى أُخبِرت أنها ستأخذ دواءً حقيقياً، والثانية أُخبِرت أنها ستأخذ الدواءَ الحقيقيَّ أو البلاسيبو، والثالثة أخبرت أنها ستأخذ البلاسيبو. الحقيقة أن المجموعاتِ الثلاثَ تلقّت البلاسيبو، والحقيقةُ الأخرى هي أن المجموعاتِ الثلاثَ تحسنت بالقَدْرِ نفسه تقريباً.

6- داء باركنسون والصرع

آلية عمل البلاسيبو:

أَخبِر مريضاً أنّ البلاسيبو الذي تعطيه إياه هو دواءٌ منبه وسيتنبه، أَخبرْه أنه مُركِّنٌ وسيشعر بالنعاس، أخبره أن من أعراضه الجانبيةِ الغثيانَ والإقياءَ، وستظهر عليه هذه الأعراض. ما هي الآليةُ الكامنةُ وراء كلِّ هذا؟ حسناً، لا يعرف العلماء على وجه التحديد السببَ الكامن وراء هذا العجَبِ، لكن لدينا بعضُ التفسيرات:

1- توقّعات المريض:

كلما كانت توقعاتُ المريض كبيرةً بشأن عملِ الدواء، كان مفعولُه أكبر. وحتى المرضى الذين يعرفون أنهم يأخذون البلاسيبو تظهر لديهم آثارُ الدواءِ الحقيقي. قد يُعلَّل ارتباطُ توقعاتِ المريضِ من الدواء مع عمل الدواءِ بانخفاض مستوى الهرموناتِ المسؤولةِ عن الشدةِ والكرْب، وعلى العكس من ذلك، فعندما يتوقع المريضُ أنّ الدواءَ -والذي هو في واقع الأمرِ بلاسيبو- سيسبّب له أعراضاً جانبيةً أو مشاكلَ، فإن هذه المشاكلَ تحدث. يدلُّنا على ذلك دراسةٌ أُجريت على مرضى يعالَجون بمسكنات ألمٍ أفيونيّة المفعول Opioid؛ أي تشبه بتأثيرها مادةَ الأفيون، إذ إن الأعراضَ الجانبيةَ لهذه الأدويةِ هي انخفاضُ معدّلِ (أو سرعة) التنفس؛ وعندما أُعطي هؤلاء المرضى البلاسيبو على أنه دواء أفيونيّ المفعول، لاحظ عليهم الأطباءُ انخفاضَ معدلِ التنفس. قد يكون الأمرُ مشابهاً لتجربة كلبِ بافلوف الشهيرةِ؛ إذ يقرع بافلوف الجرسَ للكلب قبل أن يقدمَ إليه وجبةَ الطعام، وبعد فترة من تكرار التجربةِ، يؤدي قرعُ الجرس إلى جعل لعابِ الكلبِ يسيل دون وجودِ وجبةِ الطعام؛ ربما الأمر ذاتُه يحدث بالنسبة للبلاسيبو.

2- تأثير البلاسيبو في الدماغ:

أهمُّ مثالٍ هنا هو البلاسيبو الذي يُسكِّن الألمَ، إذ يُظهر تصويرُ الدماغ في مناطقَ معينةٍ منه كـ لوزة الدماغ (Amygdala) وجذعِ الدماغ (Brain stem) والنواةِ المتَّكِئة (Nucleus accumbens) إضافة إلى النخاع الشوكي، تغيراتٍ في نشاطِها العصبي.

يمكن أيضاً أن يُعزى الأمرُ إلى زيادة الدوبامين ومستقبلاتِه**؛ لهذه الزيادةِ علاقةٌ بالشعور بالمَثوبةِ والمكافأة لدى الإنسان، وعلى العكسِ، عندما يتوقع الإنسان نتائجَ سلبيةً من البلاسيبو يتناقص الدوبامين.

3- الدراسة المناعية النفسية العصبية Psychoneuroimmunology:

يُعنى هذا الفرعُ من العلم بدراسةِ تأثيرِ الدماغ في الجهاز المناعيِّ؛ فكما أن الكلبَ يمكن أن يُدرَّبَ ليسيلَ لعابُه عند سماع الجرس، يمكن أن يدرَّب دماغُ الفأر على تخفيض التأثيرِ المناعيِّ عندما ينبَّه بمنبهٍ معين (وعندما نتحدث عن الإنسان يكون هذا المنبهُ هو البلاسيبو).

هذا الفرع من البحث العلميِّ حديثٌ نسبياً، وآلياتُه بالكاد معروفةٌ، لكنها قد تفسِّر لنا كيف يعمل البلاسيبو.

4- تفسيرات أخرى:

لقد تطورت لدى الثدياتِ ومن ضمنِها الإنسانُ وسائلُ فيزيولوجيةٌ للتعامل مع المرضِ، فعندما يُصاب الإنسانُ بإنتانٍ فيروسيٍّ أو جرثوميٍّ، فإنّ حرارةَ جسمِه ترتفع مما يساعد على التخلص من العامل الممرضِ (الفيروس أو الجرثوم)، لكن وفي حالاتٍ معينةٍ لا يحدث هذا؛ فالأشخاص الذين يعانون سوء التغذية سيخسرون الكثيرَ من الطاقة والمواد التي يحتاجونها كي يرفعوا حرارةَ أجسامِهم، ولذلك فإنها لا ترتفع عند الإصابةِ بالإنتان. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالمرأة الحامل؛ إذ قد يؤدي ارتفاعُ الحرارةِ إلى أذيَّةِ الجنين، فلا ترتفع حرارتُها.

وهنا بيت القصيد، بما أن الجوعَ أو سوءَ التغذيةِ منع الجسمَ من رفع حرارتِه، فالاعتقادُ بقوة تأثيرِ الدواء (ونقصد بالدواء البلاسيبو، وهذا الاعتقادُ يقابِل في المثال السابقِ سوءَ التغذية) يؤدي إلى إزالة أعراضِ المرضِ نتيجةً لـ "قرارٍ" يتخذه الدماغ بأنه لا حاجةَ لإظهار هذه الأعراض (كون المريض يأخذ الدواء الذي سيقوده إلى الشفاء).

يبدو أن البلاسيبو ذو أهمية كبيرة في الطب ويطرح استعماله اعتراضاتٍ أخلاقيةً أحياناً كما رأينا، ومع ذلك فإننا لا نعرف على وجه الدقة آليته، لكنه بالتأكيد أمرٌ مهم.

الحاشية:

*التأثير الإيجابي الذي يحدثه الدواء الغفل يُسمى Placebo، وهي كلمة مشتقة من اللاتينية تعني "I will please" ، أما التأثيرُ السلبيُّ الذي يسببه الدواء الغُفل فيُسمى Nocebo

** مستقبِل الدوبامين هو عبارة عن بروتين موجود في الغشاء الخلوي للخلية (وهو غشاء أو حاجز يحيط بالخلية)، وعندما يرتبط به الدوبامينُ يؤدي إلى تفعيل المستقبِلِ وإحداثِه لتغييراتٍ في الخلية.

المصادر:

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا