الطبيعة والعلوم البيئية > علم البيئة

هلْ تُصلِح البكتيريا ما أفسده الإنسان؟ - كيف تُساهم الكائنات المُحبة للسموم في السيطرة على التلوث؟

استمع على ساوندكلاود 🎧

من المعروف أن هنالك كائنات حية تعيش أساساً في أعماق الأرض وفي أعماق المياه، عــُــرفَت بقدرتها على تحطيم المواد السامة الناجمة عن مختلف الصناعات. استــُـــخدمت هذه الميكروبات لمعالجة تلوث المياه الجوفية والتسرب النفطي العميق خلال ما يــُــعرفُ بـ عملية الإصلاح البيولوجي Bioremediation*، لكن هذه العملية لم تَكُن متداولة بشكلٍ واسع، بسبب صعوبة إنتاج أعداداً كافية من الميكروبات لغرض دراستها واستخدامها في العملية، إضافةً إلى أن العلماء لم يُدركوا بشكل دقيق آلية تفكيك هذه الكائنات لتلك المواد الكيميائية المعقدة.

اكتشف باحثوا جامعة مانشستر، أن تلك الميكروبات تستخدم فيتامين B12 لتحطيم النواتج السامـّة الثانوية، ومن شأن هذا الاكتشاف أن يؤدي إلى تطوير تقنياتِ معالجة جديدة ومؤثرة. إذ توضِّح هذه الدراسة كيفية قياس الباحثين لحيود الأشعة السينية لخلق صورة ثلاثية الأبعاد ومفصلة للتركيب الذري للمادة (تقنية X-ray crystallography)، لغرض مشاهدة آلية حدوث تلك العملية في الكائن الحي لأول مرة.

تعتبر الهاليدات العضوية (organohalides) والتي سميت بهذا الاسم نسبةً لوجود ذرات الهالوجين المرتبطة بروابط تساهمية، تعتبر نواتجاً ثانوية غير مرغوب بها لعمليات صناعية عديدة منها: صناعة قلاّيات التيفال (غير اللاصقة)، مذيبات الغسيل الجاف، ومزيلات الشحوم الصناعية، كما إنها تنبعث من البراكين والبرق ولكن بكميات صغيرة.

تتنفس بعض الميكروبات التي تعيش في الأرض والمحبة للسموم جزيئات تلك المركبات وتقوم بفصل بعض أو كل جزيئات الهالوجين، بنفس الطريقة التي يستنشق فيها الإنسان الأوكسجين ويلفظ ثاني أوكسيد الكربون. تُدخل هذه الميكروبات السموم المحتوية على الهالوجين في فجوةٍ كارهةٍ للماء، وتحتجزه في جيب يحتوي على نوع خاص من فيتامين B12 مع الانزيمات التي تُحَفِّز تفاعلات اختزال الهالوجين، ويعتبر فيتامين B12 الأساس في هذه التفاعلات لاحتوائه على ذرة الكوبالت المتفاعلة التي تقوم بتحطيم الروابط بين الكربون والهالوجين، وحتى في حالة عدم إزالة كل السموم بواسطة هذه العملية، فإنها تزيد من قابلية ذوبان الجزيئة مؤديةً إلى تبعثرها وتحطيمها.

يزعُم الفريق البحثي بأنه تغلّب على مشكلة إنتاج كائنات حيـّة بكميات كبيرة، من خلال زيادة سرعة نموها بواسطة التعديل الوراثي، وبالتالي زيادة إنتاج الانزيم الأساسي في هذه العملية.

يقول أ الباحثين في هذه الدراسة، والذي بحث في آلية إزالة التسمم هذه لمدة 15 عاماً، أن تلك الكائنات الحية التي تُدعى مزيلات الهالوجين المُختَزَلة Reductive Dehalogenases توجد في مواقع التلوث بالهالوكربونات، كالمسطحات المائية القريبة من معامل إنتاج المواد الكيميائية الصناعية، كما أن بعض هذه الكائنات تحتوي على أكثر من 35 إنزيماً مُختَزِلاً للهالوجين (Halogen-reducing Enzyme)، مما يعني أن هنالك فرصةً كبيرة لتحسين عملية معالجة السموم، ولدراسة هذه العملية بشكل أوسع.

يمكننا التنبؤ بتخصص البكتريا (أو الإنزيم) لأي مادة سامة من خلال الدراسات الجينومية، كما أن الإلمام بهذه الآلية من خلال الأبحاث العلمية سيسمح للباحثين لهندسة تلك الميكروبات وراثياً لاستهداف سموم محددة.

وبصرف النظر عن تحسين عمليات التخلص من السموم، فإن هذا الاكتشاف ينبغي أن يؤدي إلى تحسين طرف الكشف عن الهاليدات العضوية في المواد الغذائية والبيئة. إن النظام البكتيري المحب للهالوجين يُمكن أن يُستخدم جنباً إلى جنب مع نظام ينتج البروتينات الفلورية الخضراء (fluorescent green protein)** للحصول على دليل مرئي في حالة وجود السموم. ويمكن أيضاً استخدام الأقطاب الكهربائي (الالكترودات) لرصد الإنزيمات الفعالة لإشارات خاصة تبعثها الميكروبات في حالة وجود الهاليدات العضوية.

ويبقى من غير الواضح تماماً، متى وكيف ستُطبَّق المعرفة العلمية بهذه الآلية على أرض الواقع، نظراً للحاجة لإجراء المزيد من البحوث، ولكن يجب أن تحفز المعرفة بهذه الآلية مزيداً من التقدُّم في هذا المجال.

هوامش:

(*) الإصلاح الحيوي Bioremediation: عملية استخدام الكائنات الحية لحل المشاكل البيئية كتلوث التربة أو المياه الجوفية. تتواجد الكائنات الحية الدقيقة في البيئة الطبيعية، وعندما يحدث تلوث لتلك البيئة بالمشتقات النفطية على سبيل المثال، يموت أغلب تلك الكائنات الدقيقة، بينما تبقى تلك التي لها القدرة على التغذي على تلك الملوثات، وهنا يأتي دور (الإصلاح الحيوي) بتجهيز تلك الكائنات المتغذية على الملوثات بالظروف الملائمة لأداء عملها، من أوكسجين وغذاء لتشجيعها على النمو السريع، وبالتالي التخلص من الملوثات بوتيرة أسرع.

(**) البروتينات الفلورية الخضراء fluorescent green protein: بروتينات تُشع باللون الأخضر الساطع الفلوري عند تعرضها للضوء ضمن المدى (الأزرق – فوق البنفسجي).

المصدر:

هنا

الدراسة الأصلية:

هنا