الفلسفة وعلم الاجتماع > الفلسفة السياسية

الثورة الفرنسية – الجزء الأخير (نابليون) والديكتاتورية المستنيرة

استمع على ساوندكلاود 🎧

لم تلقَ أفكارُ فولتير -أيًّا كانت- اهتمامَ ملوكِ فرنسا، باستثناءِ نابليون، الذي تبنّى فورَ تولِّيه السلطةَ في فرنسا؛ الخطةَ البيكونية أو الفولتارية، فأعلَن أنه ليس حاكمًا ديكتاتوريًّا عسكريًّا. لقد طرحَ فكرةَ ما اعتقد أنه الحكومةُ العلمية؛ فمَنح رعايتَه لأولئك المثقفين الذين عَدُّوا أنفسَهم ورثةَ عصرِ التنوير؛ كأمثالِ (ديستو دي تراسي)، و(فولني)، و(كابانيس)، و(داونو)، الذين عُدُّوا أنصارَ ما أسمَوْه (علمَ الأفكار). كذلك، عزَّزَ نابليون إنشاءَ المؤسساتِ البيكونيةِ الأساسية؛ كمدراسِ الفنونِ التطبيقية، والمدارسِ الثانوية (اللاييك)، إضافةً إلى الكثيرِ من كلياتِ التدريب. كما اشترطَ أنْ يكونَ العلمُ السِّمَةَ الأساسيةَ لسياستِه الإمبراطورية، ثم جَعل من ذلك العلمِ (ثقافةَ دولة).

بكلِّ تأكيد، عَدّل نابليونُ النظريةَ الفولتاريةَ لـ(الديكتاتوريةِ المستنيرة)، باتجاهاتٍ عدّةٍ ما كان فولتير ليرضى بها قَطّ؛ فقدَّم مبادئَ فكرةِ الديموقراطية، التي كانت حتميّةً في المراحلِ الأولى من الثورةِ الفرنسية، وذلك عن طريقِ جَعْلِ فكرةِ (الحكْمِ المطلقِ) تتمُّ باستفتاءٍ شعبيّ. لم تكن فكرةُ الديموقراطيةِ تلقى أيَّ اهتمامٍ من فولتير؛ ذلك أنه رأى أنّ غالبيةَ الشعبِ هم من الجهلةِ الميؤوسِ من تعليمِهم، ولكنْ وفورَ اقتحامِ الشعبِ للساحةِ السياسيةِ الفرنسيةِ أثناءَ الثورة، لم يجدْ نابليون وسيلةً لإبعادِه عنها من جديد؛ إذْ كان يتوجّبُ عليه إقناعُ ذلك الشعب –الذي كان جديدَ عهدٍ بالسياسة– بتسليمِ نفسِه لمن يقودُه. وبالطبع فقد أثبتَ نابليون عبقريتَه في ذلك، ولو أنّ فولتير كان على قيدِ الحياةِ حينَها، لأُعجِب بنابليون لهذا السبب، ولكنْ ما كان نابليون لينالَ إعجابَ فولتير أبدًا، أو يتفقَ معَه في إعادتِه تأسيسَ الكنيسةِ الكاثوليكية، أو في مغامراتِه السياسية. لقد كانت حروبُ الملكِ فريدريك (ملكِ بْروسيا) هي السببَ وراءَ ابتعادِ فولتير عن الساحةِ السياسية، وما كانت حروبُ نابليون لتكونَ أوفرَ حظًّا أيضًا في إبعادِ فولتير عن تلك الساحة، لا سيَّما وأنّ فتوحاتِ نابليون كانت قد قَلَّصت كثيرًا من ارتباطِه بالمُثُلِ العليا للعلمِ والحرية، بدلًا من أن تَزيدَه ارتباطًا بها.

ولكنْ، وعلى الرغمِ من ذلك، فلا يمكنُ للمرءِ أنْ ينكرَ أنّ خمسةَ عشرَ عامًا من حكمِ نابليون للإمبراطوريةِ الفرنسية، التي نَبَذَ خلالَها المؤسساتِ الجمهوريةَ كافّةً؛ كانت كفيلةً بتعزيزِ تلك المؤسساتِ واستمراريَّتِها، المؤسساتِ التي قدّمتْها الثورةُ خلال مراحلِها الأولى، والتي كان عصرُ التنويرِ مصدرَ إلهامِها. لم يكن نابليون ثوريًّا معارِضًا بأيِّ معنًى من معاني المعارضة، حتى إنّ إعادتَه للكنيسةِ كان مقدمةً لإيجادِ طائفةٍ دينيةٍ احتفظ هو بالسيطرةِ عليها، بدلًا من أن يعلِنَ ولاءَهُ لها. وأما الألقابُ الملَكيةُ الفرنسيةُ التي اعترف بها، كانت فقط تلك التي أوجدَها هو. لقد احتفظَ نابليون بسِمَةِ (الجُمهوريةِ) لإمبراطوريتِه، تمامًا كما فعلَ الرومانُ في العالمِ القديم.

وفي الحقيقة، فإنّ ما فعلَه الرومانُ القدماءُ؛ من التحوُّلِ عن النظامِ الجُمهوريِّ إلى الإمبراطوريةِ الرومانية؛ هو ما سَهَّلَ الأمرَ كثيرًا لنابليون لِيَحْذُوَ حَذْوَهم في العصرِ الحديثِ في فرنسا. فحالَما استطاعَ الثوريّون الفرنسيّون تخليصَ أنفسِهم من الحكْمِ الملَكيِّ بالقضاءِ على ملِكهم، سرعانَ ما رَأَوْا أنفسَهم (رومانَ العالمِ الحديث). وقد ظهر ذلك جليًّا في فنونِهم وطِرازِ هندستِهم المعماريّة، وكذلك في التنظيمِ العسكريِّ للجيشِ الجديد، حتى إنّ ألقابَ الرُّتَبِ المدنيّةِ الرسميةِ كـ(القنصلِ) و(مجلسِ الشيوخ)، لم تكن إلا نسخةً واعيةً مِن النموذجِ الرومانيِّ القديم. وهم بذلك لم يبتعدوا كثيرًا عن أفكارِ روسّو في الديموقراطيةِ الحديثة؛ فعلى الرغم من أنّ روسّو قد فضَّل (سْبارتا) عن روما، وآمَن بفكرةِ أنّ الحريةَ يمكن إدراكُها فقط ضمنَ دولةٍ مدنيّةٍ صغيرة؛ فقد كان له الفضلُ الأكبرُ في إعادةِ إحياءِ المُثُلِ الرومانيةِ بدلًا من تلك المسيحيّة، ولَطالما تطلّع إلى بزوغِ رجلٍ جديدٍ في هيئةِ مواطنٍ جنديّ، يولَدُ من جديدٍ من لُبٍّ العصرِ القديم.

لقد تنبَّأَ روسّو بأنّ جزيرةَ (كورسيكا) ستنجبُ يومًا قائدًا عظيمًا يدهشُ العالم. إنّ ذلك القائدَ يَدِينُ بالكثيرِ من نجاحاتِه، طَوالَ مدّةِ استمراريَّتِها؛ إلى تبنّي السياساتِ الفولتاريةِ لـ(الدكتاتوريةِ المستنيرة)، التي ألبسَها ثوبَ (الجُمهوريّةِ) بِلُغتِها وشكلِها، ثم أضْفَى عليها الزخارفَ المستَوْحاةَ من روسّو، فلمْ يكن ذلك المزيجُ الذي افتعله نابليون بين الدكتاتوريةِ والجمهوريةِ حقيقيًّا؛ ذلك أنّه استمدَّ جوهرَه من مصدرِ (الدكتاتوريةِ المستنيرة)، وشكلَه الخارجيَّ من مصدرٍ آخر؛ (الجُمهورية). ولكنْ -على الأقلّ- فقد استطاع نابليون من خلال ذلك المَزْجِ أنْ يَحظى بالشعبيةِ الواسعةِ التي كان يحتاجُها في فرنسا؛ ولذلك ما كان لحُكمِه أنْ يُطاحَ به إلا بتحالُفٍ من حكوماتٍ وجيوشٍ أجنبية.

المصدر:

هنا