البيولوجيا والتطوّر > التطور

اكتشاف أقدم المستحاثات المعروفة لإنسان فلوريس الشبيه بالهوبيت

استمع على ساوندكلاود 🎧

اكتشف العلماء بقايا لأشباه البشر في جزيرة فلوريس الإندونيسية التي من الممكن أنها تنتمي إلى نوع من أشباه البشر شبيه بالهوبيت يسمى إنسان فلوريس (Homo floresiensis)، وفقاً لدراسة نشرت في مجلة (Nature). وفي دراسة أخرى، يُقدِّرُ الباحثون أن عمر هذه العينات يصلُ إلى حوالي 700 ألف سنة. وتوفرُ نتائجَ هذهِ الدراسة أقوى دليل على أنَّ إنسان فلوريس كان في الواقع نوعاً فريداً، وتأخذنا برحلةٍ في الزمن إلى بداية ظهور أشباه البشر الصغيرة هذه.

ويقولُ عالم الأنثروبولوجيا وليام هاركورت سميث من كلية ليمان في مدينة نيويورك: "إنه المسمار الأخير في نعش أولئك الذين يعتقدون أن الهوبيت هو إنسان حديث يعاني من أعراض مرضية، إذ تشير كل البقايا إلى شيءٍ شبيهٍ جداً بإنسانِ فلوريس."

اكتشف العلماء بقايا الهيكل العظمي للنوع (H. floresiensis) لأول مرةٍ في عامِ 2003 في كهف يدعى ليانج بُوا (Liang Bua) غرب جزيرة فلوريس، إندونيسيا، واحتدم نقاش فيما إذا كانت تلك العظام تنتمي لنوع جديد أو أنها ببساطة عبارة عن إنسان حديث يعاني من التقزم أو تكيفات معينة. وفي عام 2009 نُشِرَت دراستان كان من شأنهما وضع الحد لذلك النقاش لصالح النوع (H. floresiensis)، ولكن يبقى السؤال حول كيفية ظهور أشباه البشر الصغيرة هذه في البداية على هذه الجزيرة الإندونيسية. إذ يعتقد بعض الباحثين أن الهوبيت تطورت من الإنسان الآسيوي البدائي المنتصب (H. erectus)، وقد عانى من قصور في الدماغ وضمور في الجسم، بينما يعتقد فريق أخر أنها تطورت من أشباه بشر أقدم صغيرة الدماغ مثل الإنسان الماهر (H. habilis) أو القرد الجنوبي (الأوسترالوبيثيكوس Australopithecus).

ويقولُ المؤلف المشارك في هذه الدراسة جيريت فان دن بيرغ (Gerrit van den Bergh) من جامعة Wollongong في أستراليا، للصحفيين خلال مؤتمر صحفي في 7 حزيران: "حتى الآن لم يكن من الممكن اختبار صحة أية فرضية ضد السجل المستحاثي." وفي عام 2014، استخرج فان دن بيرغ، و يوسوكي كايفو (Yousuke Kaifu) من متحف اليابان الوطني للطبيعة والعلوم، وزملائهم، ستة أسنان معزولة وجزء من فك، من أحجار رملية في Mata Menge في موقع للبليستوسين المتوسط المبكر في So’a Basin وسط فلوريس. ووفقاً للباحثين فإن حجم وشكل المستحاثات –التي تعود على الأقل إلى ثلاثة أفراد- تشبه مستحاثات الهوبيت التي وجدت في ليانج بوا، ولكنها أصغر منها بنسبة حوالي 20-30%، وباستخدام الفحص بالأشعة المقطعية (الطبقي المحوري)، تمكن الفريق من تحديد أن المستحاثات تعود لأفراد بالغين.

استخدم الباحثون تحديد عمر عنصر الأرغون ومسار انشطاره على الرماد البركاني في توضعات الحجر الرملي في المكان الذي عُثر فيه على تلك المستحاثات، كما استخدموا تحديد عمر سلسلة اليورانيوم ورنين الدوران الإلكتروني على الأسنان المتحجرة نفسها، حيث أشارت الأدلة إلى أن أشباه البشر هذه الشبيه بالهوبيت عاشت في بيئة عشبية جافة نسبياً ذات مصادر مياه متفرقة كالجداول المائية.

وقد عُثر على بقايا أشباه البشر هذه بجانب أدوات حجرية بدائية مماثلة لتلك التي وجدت في ليانغ بوا، وكذلك مستحاثات لحيوانات أخرى، بما في ذلك الأنواع المنقرضة من فيل قزم، وجرذان، وتنين كومودو، وطيور، كما أفاد الباحثون في تقاريرهم. وقد لاحظ الباحثون عندما قارنوا هذه المستحاثات مع مستحاثات أوسترالوبيثيكوس (Australopithecus) والإنسان الماهر (H. habilis)، أنها كانت أكثر حداثة بكثير منها، مما دعم فرضية أن إنسان فلوريس (H. floresiensis) ينحدر من أوائل الإنسان المنتصب الآسيوي (H. erectus).

وتقول ليزلي أيلو (Leslie Aiello)، رئيسة مؤسسة وينر-جرين (Wenner-Gren) للبحوث الأنثروبولوجية في مدينة نيويورك، التي لم تشارك في هذه الدراسة: "يوضح هذا الاكتشاف أنه كان هناك أشباه بشر صغيرة على جزيرة فلوريس لفترة طويلة جداً، إنه لمن المُعيب أن المواد المستحاثية مجزأة جداً، ولكنها تبدو بالتأكيد أنها تدعم فكرة أن (H. floresiensis) ينحدر من أوائل الإنسان المنتصب (H. erectus) الآسيوي وليس من أشباه بشر سابقين." لا يتفق الجميع مع هذا التفسير، إذ يقول هاركورت سميث (Harcourt Smith): "هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به، ويجب اكتشاف المزيد من الأدلة المستحاثية لنصل إلى أن هذه المستحاثات بالفعل انحدرت من (H. erectus)."

ويؤكد برنارد وود (Bernard Wood) من جامعة جورج واشنطن عن هذه الدراسة: " إنه عمل مثير للإعجاب للغاية من قبل مجموعة جيدة جداً من الباحثين، كلٍ من الأسنان والفك تجعل من الواضح جداً بالنسبة لي أن أشباه البشر هذه تنتمي إلى (H. floresiensis).

طَرَحَت هذه النتائج تساؤلات جديدة حول كيفية وصول أشباه البشر هذه الشبيهة بالهوبيت في البداية إلى جزيرة فلوريس. ويعتقد (فان دن بيرغ) أن التفسير الأكثر ترجيحاً هو أن موجة تسونامي دفعت بأسلاف (H. floresiensis) إلى هذه الجزيرة، حيث قلّصت الضغوط التطورية أدمغتهم وأجسامهم في نهاية المطاف، وأضاف (فان دن بيرغ): "بكل الأحوال لقد اكتشفنا لحد الآن عدداً ضئيلاً فقط من المستحاثات من ماتا مينغ، يجب أن تنتظر الأسئلة اكتشاف بقايا مستحاثية إضافية."

المصادر:

هنا

الأوراق البحثية:

• G. van den Bergh et al.، “Homo floresiensis-like fossils from the early Middle Pleistocene of Flores،” Nature، doi:10.1038/nature17999، 2016.

• Brumm et al.، “Age and context of the oldest known hominin fossils from Flores،” Nature، doi:10.1038/nature17663، 2016.