الاقتصاد والعلوم الإدارية > اقتصاد

الاقتصاد البريطاني في ظل الاتحاد الأوروبي

استمع على ساوندكلاود 🎧

منذ انضمام بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي في عام ١٩٧٣ ، أصبح أداءها الاقتصادي من الأفضل مقارنة ببقية الدول الأوروبية. فقد حقق الناتج المحلي للفرد في بريطانيا نمواً سريعاً مقارنة بالناتج المحلي للفرد في كل من إيطاليا و ألمانيا و فرنسا، و هي ثلاث من كبرى الاقتصادات في أوروبا و التي تخلفت عنها بريطانيا في الفترة التي سبقت الاتحاد. وفي عام ٢٠١٣ ولأول مرة منذ عام ١٩٦٥ ، أصبح اقتصاد بريطانيا أكثر ازدهاراً من متوسط اقتصادات الدول الثلاث مجتمعة. و من العوامل الأخرى التي ساعدت على ذلك هو طلب بريطانيا للمساعدة من صندوق النقد الدولي عام ١٩٧٦ بالإضافة إلى قيام مارغريت تاتشر Margaret Thatcher رئيسة الوزراء السابقة بخصخصة الشركات الحكومية وتحرير الاقتصاد في عام ١٩٨٠. ومع ذلك، يتفق معظم الباحثين الاقتصاديين أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كان له الأثر و لو بجزء بسيط بتحسن الأداء الاقتصادي لبريطانيا على مدى العقود الأربعة الماضية.

لماذا يعتقد البعض أن البقاء في الاتحاد الأوروبي يحسن الأداء الاقتصادي لبريطانيا؟

يرى العديد من الاقتصاديين أن المساهمة الرئيسية التي قدمها الانضمام للاتحاد الأوروبي هي في تحسين مستوى التنافسية و الانتاجية في بريطانيا، و الذي ازداد عندما سعت الشركات البريطانية إلى تعظيم حصتها السوقية في جميع أنحاء القارة، و في الوقت نفسه أصبحت بريطانيا من أهم نقاط الجذب للاستثمار الخارجي المباشر. وإن كان الاتحاد الأوروبي بالفعل قد ساعد بريطانيا على الانفتاح العالمي، إلا أن هذا الانفتاح لم يكن دائماً شيئاً ايجابياً. فعندما حلت الأزمة العالمية، وجدت بريطانيا نفسها معرضة لخطر الأصول الأجنبية السيئة و التي تحتفظ بها المصارف البريطانية.

يقول نيك كرافت Nick Crafts البروفيسور في جامعة وارويك Warwick University أنه ليس بمقدور أي أحد أن يعرف تماماً حجم الفائدة التي يعود بها الاتحاد الأوروبي على بريطانيا، ولكن كتقدير معقول فإن الناتج المحلي الإجمالي لبريطانيا هو أكثر بـ ١٠ % مما هو عليه في حال عدم انضمامها إلى الاتحاد. و قد قال البروفيسور كرافت أنه هناك بعض الأدلة الطفيفة التي تشير إلى أن الانضمام إلى الاتحاد قد زاد من معدل النمو الطويل الأجل لبريطانيا. و مما يبدو هو أن الزيادة قد حصلت خلال فترتين: أولهما في السبعينات من القرن الماضي بعد انضمام بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، والثانية في التسعينات بعد أن افتتح الاتحاد الأوروبي سوقه الوحيد للبضائع.

الأثر على الاقتصاد ووظائف البريطانيين

لطالما كان هذا الموضوع محلَ جدلٍ خاصة من قبل السياسيين المؤيدين للبقاء تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، حيث يزعم هؤلاء السياسيون بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يضع ما يقارب الثلاث ملايين وظيفة في محل الخطر. ولكن هذا الاحتمال قد يحدث فقط في حال منعت بريطانيا التداول التجاري مع أوروبا. ولكن لم يقترح أي تحليل اقتصادي أن الخروج من الاتحاد قد يعني وقف العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي.

و من الصعب جداً تحديد الأثر الاقتصادي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لأن ذلك مجرد حدث افتراضي و لا يوجد تعريف دقيق لما قد يحدث، حيث يقول البعض أنه سيتم إلغاء حرية التنقل مع إمكانية القيام بالمبادلات التجارية مع السوق البريطاني. و يفترض البعض الآخر أن بريطانيا ستقوم بأحد أمرين: إما أن تتبع خطى النرويج التي تساهم في ميزانية الاتحاد الأوروبي وتنفذ اللوائح و القوانين المفروضة منه، أو أن تفرض علاقة محدودة تضمن التبادلات التجارية التي تحكمها قوانين منظمة التجارة العالمية.

و فيما يلي نحدد السيناريوهات التي يحتمل حدوثها:

1. ازدهار بريطانيا: يقول أتباع هذا السيناريو أنه ليس على بريطانيا أن تربط مصيرها بالأداء الاقتصادي السيء لدول الاتحاد الأوروبي، بل عليها النظر أبعد من ذلك إلى أسواق اكثر ديناميكية، إلا أن الاتحاد الأوروبي يعد الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا حيث يمكن لها أن تخسر التجارة مع ٦٠ دولة أخرى في حال الخروج من الاتحاد.

2. الانتقال المضطرب: يعتبر أتباع هذا السيناريو أن موضوع التجارة ليس هو المشكلة الرئيسية التي ستعيق ازدهار الاقتصاد وإن الخروج من الاتحاد لن يؤثر بشكل كبير على النمو الاقتصادي على المدى الطويل، بل أن المشكلة تكمن في خطورة عملية الانتقال، مع احتمال حدوث هبوط حاد في الجنيه الاسترليني وانخفاض في أسعار الأصول في بريطانيا.

3. القرار الكارثي: يفترض هذا السيناريو أن بريطانيا قد تصل في نهاية المطاف إلى علاقات تجارية محدودة مع الاتحاد الأوروبي، مما سيجعل الأمور أكثر صعوبة في حال بيع السلع والخدمات إلى دول الاتحاد، وستصبح التعاملات مع دول خارج الاتحاد الأوروبي صعبة المنال، وستنخفض الاستثمارات الأجنبية في بريطانيا مما سيؤثر سلباً على الاقتصاد.

تحذيرات مصرف انكلترا Bank of England

في تصريح لمصرف بريطانيا بخصوص الاستفتاء للخروج من الاتحاد الأوربي و الذي سيجري في حزيران القادم، فقد حذر المصرف من التأثير الخطير على الجنيه الاسترليني والأصول الأخرى. وأظهر محضر اجتماع لجنة السياسة النقدية مؤخراً التصويت بالإجماع لأعضائها التسعة على ترك أسعار الفائدة عند مستواها المنخفض تاريخياً و البالغ ٥،٠ ٪. وصرحت اللجنة أنه بسبب عدم اليقين حول ما سيحدث بسبب اقتراب موعد الاستفتاء، أن ذلك قد أثر على القرارات الاستثمارية مما سيؤدي أيضاً إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في الربع الثاني من العام. و قد ناقشت اللجنة الانعكاسات المحتملة على السياسة النقدية.

وجاء في محضر الاجتماع أن هذا التصويت قد يؤدي إلى حالة من عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، بما في ذلك نمو الصادرات، وعلى الأغلب فسيؤدي أيضاً إلى انخفاض الطلب على المدى القصير.

كما ذكر المحضر أن التصويت بحد ذاته سيكون له آثار كبيرة على أسعار الأصول، لا سيما أسعار الصرف. وسيكون على لجنة السياسة النقدية الحذر في أحكامها فيما يخص التأثيرات المحتملة على العرض و الطلب و التضخم، و في النهاية سيتم تحديد السياسة النقدية بحسب معدل التضخم المستهدف مع الحفاظ على توقعات ثابتة حوله.

وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته رويترز أن ١٧ من أصل ٢٦ من الاقتصاديين يعتقدون أن التصويت لصالح الخروج من الاتحاد قد يدفع مصرف بريطانيا إلى تخفيض أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ الأزمة العالمية.

وجاء أيضاً في محضر الاجتماع أنه مهما كانت نتيجة الاستفتاء، فإن لجنة السياسة النقدية ستستخدم أدواتها للحفاظ على معدل التضخم.

كما أكد مصرف بريطانيا على وجود دلائل على أن حالة عدم اليقين بالفعل قد بدأت أن تؤثر على الطلب. من ضمن هذه الدلائل تقارير تتعلق بقرارات استثمارية مؤجلة وتأخر صفقات الأسهم الخاصة Private Equity وطرح أسهم الشركات للاكتتاب، بالإضافة إلى تقارير من المقرضين عن انخفاض الطلب على التمويل من قبل الشركات الكبيرة. وقد ذكر المحضر أن كل هذه التطورات مجتمعة، قد أبرزت احتمالات تباطؤ الاقتصاد إلى حد ما في الربع الثاني من العام، و من الممكن أن يصعب تفسير مؤشرات السوق الاقتصادية الكلية والمالية خلال الأشهر القليلة المقبلة، كما أنه من المرجح أن تكون اللجنة أكثر حذراً في التعامل مع الأخبار مقارنة بما هي عليه في الأحوال العادية.

و قد أكد واضعو السياسات في مصرف بريطانيا على رؤيتهم السابقة بقولهم أنه عندما يبدؤون برفع أسعار الفائدة، فسيقومون بذلك تدريجياً وبمستوى أقل مما هو عليه في المرات السابقة. وقد أشارت دراسات استقصائية وأرقام رسمية إلى تباطؤ الاقتصاد البريطاني في الأشهر الأخيرة، بالإضافة إلى وجود شركات تؤخر قرارات التوظيف والاستثمار إلى ما بعد الاستفتاء.

و قد حذر صندوق النقد الدولي من أن التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يحدث ضرراً على المنطقة بأسرها و يمتد إلى الاقتصاد العالمي الهش أصلاً. و طبقاً لما جاء في أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي حول التوقعات الاقتصادية فقد تم تخفيض توقعات نمو الاقتصاد البريطاني إلى ١.٩٪ لعام ٢٠١٦ مقارنة مع التوقعات السابقة التي كانت ٢.٢٪ في كانون الثاني/ديسمبر الماضي.

العلماء الإنكليز يقولون لا للانفصال عن الاتحاد الأوروبي في استطلاع للرأي من موقع Nature.com

هذا السؤال المثير للجدل فيما إذا ستبقى بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أم لا والذي يقسّم عامة الشعب إلى نصفين متساويين تقريباً. سيتم اتخاذ القرار بشأنه في الثالث والعشرين من حزيران القادم. و قد بين استفتاء أجراه موقع Nature.com على ما يقارب من ألفي عالم من العلماء المقيمين في الاتحاد الأوروبي أن معظم هؤلاء العلماء يرغبون ببقاء بريطانيا ضمن الاتحاد. وعبَر هؤلاء عن قلقهم بأن خروجها قد يضر بمسيرة البحث العلمي في بريطانيا خاصةً وفي أوروبا عامةً. و يعتقد معظم العلماء البريطانيين والأوروبيين أن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي هو أمر في مصلحة العلم.

و قد دار الكثير من الجدل السياسي حول موضوع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وعلاقته بموضوع الهجرة و الاقتصاد و الاقتتال بين أطراف الحزب الحاكم المحافظ. و بالنسبة لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون David Cameron فهو مع البقاء في الاتحاد، ولكن العديد من زملائه في الحزب من الأعضاء رفيعي المستوى يخالفونه الرأي. ويقول مايك غلاسورثي Mike Glasworthy أحد مؤسسي مجموعة علماء الاتحاد الأوروبي Scientists for EU أن موضوع البحث والابتكار هو موضوع هام في الوقت الحالي وهو عنصر هام في نقاش الخروج أو البقاء في الاتحاد، كما أكد على أنه سيزداد الاهتمام بهذا المضوع في الأيام القادمة. ونشرت صحيفة التايمز The Times في العاشر من آذار رسالة توضح الفوائد التي ستعود على المجال العلمي فيما إذا بقيت بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. و قد وقع على هذه الرسالة أكثر من 150 باحثاً في جامعة كامبردج Cambridge والذين هم زملاء في المجتمع الملكي Royal Society. كما عبر الباحث الكيميائي في جامعة كامبردج آلان فيرشت Alan Fersht أحد أول من وقع هذه الرسالة قائلاً "أعتقد أنه بالنظر إلى المجال العلمي، التصويت سيكون ساحقاً للبقاء ضمن الاتحاد".

وقد لاحظ هؤلاء العلماء الذين يرغبون بالبقاء ضمن الاتحاد أن الجامعات البريطانية تتلقى ١٦% من تمويل أبحاثها مباشرة من الاتحاد الأوروبي، كما تسمح لأعضاء الاتحاد بالتحرك بحرية بين الدول الأعضاء بدون أي قيود.

ومن جهة أخرى فقد أوضح وزير العدل ميشيل غوف Michael Gove المؤيد للخروج من الاتحاد، أن الأموال التي تقدمها بريطانيا حالياً للاتحاد الأوروبي يمكن أن تُستثمر في البحث العلمي. ومن المؤيدين للخروج أيضاً آغنس دالغليش Agnus Dalgleish الباحث في مرض السرطان والذي ظهر مؤخراً في لقاء تلفزيوني في برنامج نيوزنايت Newsnight في العاشر من آذار الماضي والذي انتقد فيه قوانين الاتحاد الأوروبي فيما يخص البحث العلمي، وذلك كمشاركة منه في حملة الخروج من الاتحاد. كما قال جيمي مارتن Jamie Martin، المستشار السابق لغوف Gove و الذي يؤيد الخروج من الاتحاد، أن موضوع البحث العلمي هو من المواضيع الأساسية التي تدفع إلى الخروج من الاتحاد.

المصادر:

هنا

هنا

هنا