التاريخ وعلم الآثار > تحقيقات ووقائع تاريخية

القائد العسكري

استمع على ساوندكلاود 🎧

اعتادَت نساءُ روما لسنواتٍ طويلةٍ أن تلفُّظ اسمه لإخافةِ الأولاد للخلود إلى النوم. هو القائدُ العسكري الفذ الذي بَدأ مسيرتَه مُقسماً على العداءِ للرومان، هو الذي بلغَ أسوار تلك المَدينة العظيمة بعدَ معركةِ كاناي وهددَّ بإنهاء الامبراطورية الرومانية، هو أحدُ أهمِ القادة العسكريين وأكثرَهم ذكاءً وعبقرية، هو الذي ما زالَت خططُه وتكتيكاتُه تُدرس في الأكاديمياتِ العسكرية حتى اليوم، إنَّه باختصار حنابعل بن حملقار برقا القائد الفينيقي لجيشِ قرطاج. فدعونا نتعرف عليه وعلى الطريق الذي سَلكه لعبورِ جبال الألب ضمن مقالنا التالي...

حياته المبكرة:

حسب المؤرخ فيليب ماتيسزاك، فإنه على الرُغمِ من كونِ حنابعل أحدَ أهمِ القادة العسكريين في العصورِ القديمةِ إلا أنَّ المعلومات المتاحة عنه قليلةٌ وغير حيادية لأن أغلبها دُونَت من قبلِ أعدائه الرومان.

ينحدرُ حنابعل من أسرةٍ فينيقيةٍ عريقة، كان والده حملقار قائداً قرطاجياً في الحرب البونيقية الأولى التي نشبَت بين مدينة قرطاج ومدينة روما من أجلِ السَيطرة على مِنطقة البحر الأبيض المتوسط، أمَّا والدته فهي مجهولةٌ وزوجته لا نعرف عنها سوى اسمها "إميلس".

يروي المؤرخ اليوناني بوليبيوس أن حنابعل قد سُرَّ حين دعَاه والده لمرافقتِه في حملتِه على إسبانيا، ولكن قبل الذهاب أخذَه والده إلى المعبدِ وجعلَه يُقسم أمامَ الآلهة بعد أن غمسَ يديه في دم القَرابين أنه لن يهادنَ روما يوماً، فرسخَت هذه الحادثةُ في ذهنِ حنابعل حتى الممات.

تعلمَ فنون القتال والدهاء في التفكير من والدِه خلال رحلتِه إلى إسبانيا؛ وبما أن صِغرَ السن لم يكنْ عائقاً في ذلك العَصر، تولَى حنابعل بعضَ المهامِ العسكرية في سنٍ مبكرةٍ. وبعد غرقِ والده واغتيالِ أخيه، اُنتخِب حنابعل قائداً للجيشِ القرطاجي رُغم أنه لم يتجَاوز سِن 25.

عبور جبال الألب والانتصارات الأولى:

تمَّ توقيعُ اتفاقية بين قرطاج وروما في نهايةِ الحرب البونيقية الأولى تنصُ على السماحِ لقرطاج بالاحتفاظِ ببعض المناطق في شبه الجزيرة الإيبيرية، مقابل دفع جزية سنوية لروما. لكن في عام 219 قبل الميلاد دبَّر الرومان انقلاباً في مدينة ساكونتوم أدَّى إلى وصولِ حكومةٍ معاديةٍ لقرطاج للسلطة في تلك المدينة، فرفضَت قرطاج دفعَ الجزية لروما وسارَ حنابعل بجيشِه لفرض الحصارِ على المدينة، ممَّا أثارَ غضبَ الرومان وأدَّى إلى نشوبِ الحرب البونيقية الثانية.

قررَ حنابعل نقلَ الحربِ إلى أرضِ الرومان، ومباغتَتهم في أحدِ أشجع الأفكار وأكثرِها مخاطرة، ألا وهي عبورُ جبالِ الألب. ضمَّ حنابعل في حملتِه هذه المزيدَ من الأراضي في شبه الجزيرة الإيبيرية، وصوَّر نفسه كمحررٍ من الرومان ممَّا أكسبَه المزيد من المتطوعين، حيث بلغَ تعدادُ جيشه 50 ألف محارب و9 آلاف فارس. فاتجَه شمالاً مُصطحباً معه ما يزيد عن 60 فيلاً، لأنه وجدَها مفيدةً لعبور جبال الألب وكأداةٍ لترهيب الجيش الروماني، لكن عند وصولِه لجبال الألب اضطرَ أن يتركَ العديد من المعداتِ والآليات وراءه لصعوبةِ اصطحابها ونقلها.

فبعد 17 يوم تمكنَ خلالها حنابعل من عبورِ جبال الألب، وعلى الرغمِ من أنَّ عددَ قواته انخفضَ إلى حوالي 26 ألف مقاتل وعشرات الفيلة، إلا أنَّ حنابعل كانَ واثقاً من النصر. حيث بلغَ شمال إيطاليا في وقتٍ اعتقد فيه الرومان أنه ما يزال في مكانٍ ما في إسبانيا، وبعد معرفتِهم بمكان حنابعل أرسلوا جيشاً لمواجهتِه فالتقُوا في معركةِ نهر تيسان التي انتهَت بهزيمةِ الجيش الروماني. تكررَت هذه الهزيمة على يد حنابعل في معركةٍ قربَ بحيرة تراسيمين بخطةٍ عسكريةٍ مثيرةٍ للإعجاب سرعان ما تمكنَ حنابعل من خلالِها من السيطرة على الشمال الإيطالي.

تكتيكات حنابعل ومعركة كاناي:

أدَّت استراتيجيةُ حنابعل بتسويقِ نفسه على أنَّه محررٌ للشعوب إلى انضمامِ العديد من المدنِ إليه في حربه ضدَّ روما وازديادِ أعداد الجُنود في معسكراته. فبعدَ معركةِ تريبيا التي انتهَت بهزيمةِ الرومان مرةً أخرى، عادَ حنابعل إلى الشمالِ ليقضِ الشتاءَ هناك ويستعدَ لمعارك الربيع ويحصنَ نفسه من الجواسيسِ الرامين إلى اغتياله؛ حيث اعتمدَ حنابعل العديد من الحيلِ والخدعِ مثل سياسة التنكر وتغيير المظهر كوسيلةٍ للنجاة من فرقِ الاغتيال التي تلاحقه كما يذكر المؤرخ بوليبيوس.

انطلقَ حنابعل مع قدومِ الربيع بعدةِ هجمات دمَّر فيها جيوشَ الرومان مرتين، ممَّا اضطرَهم لإرسالِ أحد القادةِ العسكريين ويُدعى فابيوس فيروكوسوس الذي اعتمدَ سياسةَ التأجيل وعدمَ المواجهة ريثما يتمكن من محاصرةِ حنابعل وجيش قرطاج. وهذا ما حدثَ حيث حُوصِر حنابعل في منطقةِ كابوا المحيطة بنهر فولتورنوس، لكن حيلة ودهاء حنابعل مكنَتاه من التسلل؛ حيث قامَ بربطِ مشاعل نار على رؤوس الحَيوانات والمَواشي وبعثَ بهم ليلاً باتجاه حامية تابعة للرومان ليشغلهم في الوقت الذي يتمكن فيه مع جيشِه من التسَلل من المنطقة المُحاصرة.

اتجه حنابعل بعد ذلك بجيشِه إلى كاناي وسيطرَ عليها بسهولةٍ ثم واجَه الرومان المزودين بجيشٍ يفوق القرطاجيين عدداً في معركة كاناي سنة 216 قبل الميلاد، لكن مرةً أخرى استطاعَ حنابعل أن يدفعَ الرومان إلى التغلغلِ في عمق جيش القرطاجيين ثم أطبقَ عليهم وهزمَهم بعد مقتل44000 جندي من الرومان مقابل 6000 من قرطاج. ألحقَت هذه المعركة خسائرَ فادحة بروما وأجبرَت عدة مدنٍ مستقلة على الاستسلام لحنابعل وإلى نشوبِ الحرب المقدونية الأولى ضدَّ روما. باختصارٍ، كان السبيلُ بعد هذه المعركةِ مفتوحاً أمام حنابعل ليتقدمَ ويسيطرَ على روما بسهولةٍ لكن نقصَ الإمدادات التي رفضَ مجلس الشيوخ في قرطاج إرسالَها بحجةِ عدم الرغبة بتحملِ الأعباء المالية لهكذا خطوة دفعَت حنابعل للتراجع.

معركة زاما وهزيمة حنابعل:

برزَ اسم المحارب سكيبيو ذو السادسة والعشرين عاماً من ضمنِ الجنود الرومان الذين تمكنوا من الفَرار من معركةِ كاناي، والذي أخذَ على عاتقِه الدفاع عن روما وحمايتها. فبدأ من إسبانيا حيث استطاعَ هزيمةَ جيش قرطاج الذي كانَ يقودُه صدربعل شقيق حنابعل، ثم مضى بخطته نحو شمال إفريقيا فقد كانَ يريدُ محاصرةَ قرطاج ليتمكنَ من إجبارِ حنابعل على الانسحابِ من إيطاليا والعودةِ إلى مدينته للدفاع عنها. وهذا ما حصلَ فقد رجعَ حنابعل إلى قرطاج وواجَه جيش الرومان تحت قيادة سكيبيو في معركة زاما عام202 قبل الميلاد ولكنَه انهزم، وحسب وصف المؤرخ برادفورد فإن هذه الهزيمة كانَت آخر فصول نضال شعوب الشرق القديم للسيطرة على حوض البحر الأبيض المتوسط وإثباتِ وجودهم مقابلَ أوروبا، وهكذا عادَت قرطاج مرةً أخرى تحت سُلطة روما بعدما كانَت هذه المعركة آخر فصول الحرب البونيقية الثانية.

السنوات الأخيرة:

عُيِّنَ حنابعل بعد هزيمة قرطاج وانتهاء الحرب البونيقية الثانية كبيراً للموظفين العموميين في قرطاج، والتي أصبحَت ترزح تحت ثقلِ الضرائب المفروضة من قبل روما بعد انتصارِها في معركة زاما. لكن مجلسَ الشيوخ القرطاجي استمرَ بملاحقة حنابعل ومضايقتِه حتى أنه وشى به إلى روما مُدعياً أن حنابعل يريدُ الثورة من جديد، ممَّا حذى بحنابعل لتركِ المدينة والرحيل نحو صور ومن ثم آسيا الصغرى حيث انضمَ إلى جيش أنطيخوس الثالث وخاضَ معركةً حُوصر بها. وحينما أدركَ أن لا حلَّ أمامه سوى الاستسلام إلى روما، اختارَ حنابعل أن يضعَ حداً لحياته وتجرعَ السم ناطقاً كلماته الأخيرة: "لنضع حداً لهذه الحياة التي لطالما أرهبَت روما." لم ينهِ موت حنابعل في عام183 قبل الميلاد حالة العداء بين قرطاج وروما، حيث قامَت حرب بونيقية ثالثة بين عامي149 و146 قبل الميلاد انتهَت مع دمارِ قرطاج واندثارِ حضارتها إلى الأبد.

اكتشافٌ حديثٌ يضعُ حداً للغزٍ تاريخيٍّ قديم:

انطلاقاً من الأهمية العسكرية والتاريخية للطريق الذي سلكَه حنابعل وإمكانية احتوائه على كنوزٍ أثريةٍ عظيمة، عملَ المؤرخون والعلماءُ كثيراً على الكشفِ عن هذه الطريق المارة بجبال الألب. وهذا ما حصلَ مؤخراً، فقد توصلَ العلماءُ أخيراً لمعرفةِ الطريق المحتمل الذي سلكَه حنابعل للوصولِ إلى روما عبر جبال الألب من خلال اختبار روثِ الحيوانات المُكتشف في تلك المنطقة وتبيَّن أن حنابعل اختارَ الطريق الأضيق والأصعب خوفاً من قبائلِ الغال عبر منطقةِ كول دو لا ترافيرسيت (Col de la Traversette) على الحدود الفرنسية الإيطالية جنوب مدينة غرونوبل ((Grenoble، لينتهِ بذلك هذا اللغز الذي حيَّر العلماءَ والمؤرخين لعقودٍ طويلة.

الشكل (1): الطريق باللون الأسود هو الطريق الذي سلكه حنابعل، أما الطرق الأخرى فهي طرق محتملة تم نفيها

المصادر:

هنا

هنا

هنا